فهرس الكتاب

الصفحة 4127 من 13021

وهذه الآية دليل على وجوب محبة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى تقديمها على محبة كل شيء.

وقد نزلت الآية في المسلمين الذين بمكة، لما أُمروا بالهجرة قالوا: إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا، وذهبت تجارتنا، وخربت ديارنا وقطعنا أرحامنا، وكان منهم من يتعلق به أهله وولده، ويقولون: ننشدك بالله ألا تضيعنا؛ فيرق لهم ويدع الهجرة، فبدأ الله بالآباء والأبناء والإِخوان، وكذا الأصدقاء ونحوهم، وزهدهم فيه، ثم قطع علائقهم عن زخارف الدنيا.

فذكر - سبحانه - الأموال والتجارة والمساكن إن كان كل ذلك أحب إليكم: {مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} أي: انتظروا ماذا يحل بكم من عقابه؟!

والمحبة - عباد الله - تنشأ من الإِحسان ومطلعة الآلاء والنعم؛ فإن القلوب جُبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها، ولا أحد

أعظم إحسانًا من الله - سبحانه-، فإن إحسانه على عبده في كل

نفس ولحظة، وهو يتقلب في إحسانه في جميع أحواله، ولا سبيل له إلى ضبط أجناس هذا الإِحسان، فضلًا عن أنواعه أو أفراده، ويكفي أن من بعض أنواعه نعمة النفس التي لا تكاد تخطر ببال العبد، له عليه في كل ويوم وليلة أربعة

وعشرون ألف نعمة، فإنه يتنفس في اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس، فما الظن بما فوق ذلك وأعظم منه: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] .

هذا غير ما يصرف عنه من المضرات وأنواع الأذى التي تقصده، وعلها توازن النعم في الكثرة، والعبد لا شعور له بأكثرها: {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ} [الأنبياء: 42] .

عباد الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت