أيها المسلمون: ولما انقضت الأربعون يومًا بقيت بغداد خاوية على عروشها ، ليس بها إلا الشاذ من الناس ، والقتلى في الطرقات كأنهم التلال ، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت البلاد من جيفهم ، وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد ، ولما نودي بالأمان في بغداد خرج من كانوا تحت الأرض في المقابر والحشوش كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضا ، فلا يعرف الوالد ولده ، ولا الأخ أخاه ، ولا الزوج زوجه، و أخذهم الوباء فتفانوا ، ولحقوا من سبقهم من القتلى ، وعم الطاعون بلاد الشام ، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والطعن والطاعون .
لسائل الدمع عن بغداد أخبار *** فما وقوفك والأحباب قد ساروا
يا زائرين إلى الزوراء لا تغدوا *** فما بذاك الحمى والدار ديار
تاج الخليفة والربع الذي شرفت *** به المعالم قد عفاه إقفار
علا الصليب على أعلى منابرها *** وقام بالأمر من يحويه زنار
عباد الله: كان الوزير ابن العلقمي بعد خيانته للخليفة ، وتعاونه مع هولاكو ، طامعًا أن يوليه هولاكو الحكم في بغداد مكافأة له أو أن ينصبوا غيره خليفة علويًا ، وكان لعنه الله وقبحه يريد أن يعطل المساجد والجوامع والمدارس ببغداد ، ويستمر بالمشاهد ومحال الرفض، ينشر من خلالها علمهم وعملهم بها وعليها ، لكن الله خيب ظنه ، فلم يوافقه التتار على ما أراد واطرحوه ، وصار معهم في صورة بعض الغلمان .