إن ذلك كلَه حاصل لمن انعم الله عليه بصلة رحمه والإحسان إليهم ، وإليكم مصداق ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: ( من أحب أن يبسط له في رزقه وينسى له في أثره فليصل رحمه ) رواه البخاري ومسلم ، وقال صلى الله عليه وسلم: (صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر ) رواه احمد ، قال ابن التين رحمه الله: ( صلة الرحم تكون سببًا للتوفيق والطاعة، والصيانة عن المعصية ، فيبقى بعده الذكر الجميل فكأنه لم يمت) ، وقال صلى الله عليه وسلم: ( من سره أن يمد له في عمره ويوسع له في رزقه ، ويدفع عنه ميتتة السوء ليتقي الله وليصل رحمه ) أخرجه احمد وغيره .
أيها المسلمون: إن القطيعة بين الأرحام في هذا الزمان قد كثرت ، والحقوق قد ضاعت ، والبغضاء قد فشت وانتشرت، وعامة هذه القطيعة على هذه الدنيا الحقيرة وعلى الحظوظ الفانية ، فكم رأينا من الناس من لا يعرف قرابته بصلة ولا إحسان لا بالمال ولا بالجاه ولا بالخلق ، لا يشاركهم في أفراحهم ، ولا يواسيهم في أتراحهم ، ولا يقابلهم بالبشر وحسن الكلام ، تمضي الشهور وربما الأعوام وما زار أرحامه ولا أقاربه ، ولا وصلهم ، وربما لم يسلموا من إساءته إليهم بالقول والفعال .
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله * على قومه يستغنى عنه ويذمم
ومن ذا الذي ترجوا الأباعد نفعه * إذا كان لم يصلح عليه الأقارب
عباد الله: إن مما يبعث على الأسى والحرقة أن نرى اشد أنواع الخصومات في هذه الأزمان لا تقع إلا بين الأقارب والأرحام فبمجرد هفوة أو زلة أو عتاب ، يبادر المرء إلى القطيعة والهجران ، وينسى حق الأقارب والأرحام ، وكم تساوي هذه الدنيا إذا هجر الإنسان الأقربون ، وقطعه أولو الأرحام فأصبح بينهم غريبًا منبوذا بعيدًا .