فقد حول غلاء المهور الزواج إلى أمر شاق، ولا يطاق إلا بجبال من الديون التي تثقل كاهلَ الزوج، مع أن المهر في الزواج وسيلة لا غاية .
إن المغالاةَ فيه المهور، والمُباهَاةَ بها، وتقويمَ الخاطب بمقدار ما قدّم من مَهر؛ لهو صِغَرٌ في النفس، ونقص في العقل، كما أن إرهاقَ الخاطب بالمهر الكثير، واشتراطَ الهدايا الكثيرة لأقارب الزوجة؛ لهو جشع وطمع وانتهازية تورث الضغائن، وتُرهِق بالديون، وتُعيق مسيرة الزواج في المجتمع، وتسبّب الزواج من مجتمعات أخرى، بينما تمتلئ البيوت بالعَوانِس .
وقد روى أحمد وأهل السنن أن عمر الفاروق رضي الله عنه قال: (أَلَا لَا تُغَالُوا بِصُدُقِ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً) ، وقد زوج المصطفى صلى الله عليه وسلم رجلًا بما معه من القرآن، وقال لآخر: (( التمس ولو خاتمًا من حديد) ، وتزوج عبد الرحمن بن عوف على وزن نواة من ذهب، وأنكر صلى الله عليه وسلم على المغالين في المهور، ففي صحيح مسلم، جاءه رجل يسأله فقال: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ لَهُ: عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا قَالَ عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ! كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ .
الله المستعان، ماذا لو رأى صلى الله عليه وسلم أحوال المغالين اليوم؟ الذين جعلوا الزواج بمئات الألوف، بل ربما بالملايين .