إن محنةَ فلسطين ليست هي الأولى والأخيرة، فقد تعرضت هذه الأمةُ لمحنٍ كثيرة قاسية، بل أكثرُ قسوةً وشدةً من محنتنا في فلسطين، فلم تستسلم هذه الأمة، ولم تيأس، وظلَّت تكافح وتجاهد حتى نصرها الله على أعدائها.
نعم .. إن هذه الأمة تمرض لكنها لا تموت، وتغفو لكنها لا تنام، فلا تيأسوا، فإنكم سترون عزّكم ، متى ما عدتم لربكم ، وأصلحتم من أنفسكم ، وقمتم بنصرة إخوانكم .
وإن قراءة متأنية لتاريخ بيت المقدس تعطي الأمل بأن الواقع سيتغير متى ما غيرنا من أنفسنا .
لقد سجّل التاريخ من مواقف عظيمة لأبطال عظماء هبّوا دفاعًا عن الأقصى، وبذلوا كل غالٍ ونفيس .
لما فتحت جيوش المسلمين بيت المقدس ، سار إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه على بعير يعتقب عليه هو وغلام له، حتى إذ اعترضته مخاضة نزل من بعيره فنزع خفّه وخاض في الماء، ثم لما وصل إلى بيت المقدس صلّى في محراب داود عليه السلام وترنّم بسورة الإسراء.
وبعد قرون يقع الأقصى في أسر الصليبيين ، فكان الملك البطل نور الدين زنكي يمتنع عن التبسّم، ويقول: أستحي من الله أن أتبسّم وبيت المقدس في الأسر، فوقف هذا الملك الفذّ على تلّ وسجد لله، ومرّغ وجهه في التراب، ودعا ربه وقال:"اللهم انصر دينك ولا تنصر محمودًا"، ثم لقي الصليبيين الذين استولوا على بيت المقدس لقيهم بثلاثين ألفًا وهم أزيد من مائة وخمسين ألفًا فكسرهم، وقتل منهم عشرة آلاف، وأسر عشرة آلاف.