أيها المسلمون: لم يرتدع الأخ الجاني ولم ينزجر ، ولم يزل يراود نفسه حتى طوعت له نفسه قتل أخيه الذي يقتضي الشرع والطبع احترامه ، فقتله فأصبح من الخاسرين دنياهم وآخرتهم ، وأصبح قد سن هذه السنة لكل قاتل:"ومن سن سنة سيئة ، فعليه وزرها ، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة". أخرج الإمام أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما من نفس تقتل إلا كان على ابن آدم الأول شطر من دمها ، لأنه أول من سن القتل".
عباد الله: لما قتل الأخ أخاه لم يدر كيف يصنع به ، لأنه أول ميت مات من بني آدم ، فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض أي يثيرها ليدفن غرابًا ميتًا ، فجعل الغراب الحي يواري سوءة الغراب الميت ، فقال القاتل لأخيه: يا ويلتا (كلمة تحسر) لما رأى الدفن من الغراب وأنه أكبر منه علمًا ، وأن ما فعله كان جهلًا فندم وتحسر ، ثم وارى سوءة أخيه (أي بدنه) لأن بدن الميت عورة ، فأصبح من النادمين على ما أقدم عليه من قتله أخاه .
أيها المسلمون: من أجل قتل ابن آدم أخاه ظلمًا وعدوانًا شرع الله على أهل الكتب السماوية أنه من قتل نفسًا بغير سبب من قصاص أو فساد في الأرض ، واستحل القتل بلا سبب ولا جناية ، فكأنما قتل الناس جميعًا ، لأنه لا فرق عند القاتل بين نفس ونفس ، فلما تجرأ على قتل النفس التي لم تستحق القتل، علم انه لا فرق عنده بين هذا المقتول وبين غيره ، ومن أحياها بأن استبقا نفس أحد فلم يقتله مع دعاء نفسه إلى فعله فقد سلم الناس كلهم منه بهذا الاعتبار وذلك أحياء لها.