8)نحن أحق بموسى منكم:
إن الأولوية ليست بالدعوى ولا المظاهر، بل هي بحسب تمام المتابعة والتزام المنهج، ورابطة المنهج والإيمان تتخطى حواجز الزمان والمكان كما قال سبحانه: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) .
إنّ دينَ الأنبياء وصراطهم واحد، (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) ، بينما شرائعُهم متعدّدة، اتفاقٌ على الأصول وتنوّع في الشرائع، ولم يخرج نبيّ قطّ عن دعوةِ التوحيد، وهي عبادةُ الله وحدَه لا شريك له، كما قال الله تعالى لنبيّه محمّد: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ) .. وجاءت شريعةُ محمّد امتداد تكميلِ للشرائع السماويّة السابقة، وهي الدين الذي ارتضاه الله للخَلق جميعًا من زمَن النبيّ محمّد إلى قيام الساعة، وهي الدين الوحيد في الدنيا الذي جعل الإيمانَ بجميع الكتبِ السماوية والتصديقَ بجميع أنبياء الله ورسله ركنًا من أركانه؟! ولهذا قرَّر - صلى الله عليه وسلم - أنه هو وأتباعه أولَى بالأنبياء السابقين ممّن يدَّعي تبعيتَهم حينما قال لليهود: (نحن أحقّ بموسى منكم) ، ليبيّنَ أنّ الإسلام هو المحضن الوحيد لأتباع الرسالات السابقة، وهو الطريقُ الوحيد الموصِل إلى الله، وصدق رسول الله، فخلال خمسةَ عشَر قرنًا لم يسجّل التاريخُ دخولَ عالمٍ مسلم واحدٍ لليهودية أو النصرانية، في حين سجّل التاريخ وبمدادٍ من نور مواكبَ من أحبارٍ ورهبان دانوا بشريعة الإسلام، بعد أن عرفوا الإسلام على حقيقته، أولئك يؤتون أجرهم مرتين .