عباد الله .. وإذا كان أمر الرحمة كذلك، فإن من أولى الناس وأحقهم بالرحمة، الوالدين، فببرهما تُستجلب الرحمات والبركات وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا .. ثم من بعد ذلك الأولاد فلذات الأكباد، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: كان رسول الله يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمهما ثم يقول: (اللهم ارحمهما، فإني أرحمهما) أخرجه البخاري .. ثم تكون الرحمة على الزوجات، (وخيركم خيركم لأهله) .. وأوسع من هذا الرحمة بالأقارب وذوي الأرحام، ففي الحديث: (إن الرحم شِجْنَة من الرحمن -أي اشتق اسمها من اسمه- فقال الله: من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته) رواه البخاري .. ولصغار المسلمين وشيوخهم حظ من الرحمة، كما قال ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا) أخرجه أحمد والترمذي وصححه الألباني .
ومن مواطن الرحمة إحسان معاملة الخدم، والترفق بهم، والتجاوز عن هفواتهم، وليحذر المرء من السطوة والتسلط، فيسخّرُهم أويسخرُ منهم .. فقد روى مسلم عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، فَلَمْ أَفْهَمْ الصَّوْتَ مِنْ الْغَضَبِ، قَالَ: فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ (، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، قَالَ: فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي لهيبته، فَقَالَ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ، قَالَ فَقُلْتُ لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا، وفي لفظ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ فَقَالَ أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ .