وصح عند أبي داود أن رجلًا سأل النبي (: كم أعفو عن الخادم؟ فقال:(( كل يوم سبعين مرة ) ).
عباد الله .. ومع عظم شأن الرحمة، فإننا نقول: الرحمة لا تكفي وحدها، إن الرحمة ليست حنانًا لا عقل معه، وليست شفقة تتنكر للعدل والنظام، أو تخل بتربية الصغير وتهذيبه، وتحصيله للعلم في المدرسة، والاجتهاد في الامتحان، والمحاسبة على الخطأ، فإن الطبيب يمزّق اللحم ويهشم العظم ويبتر العضو، وكل ذلك رحمةٌ بالمريض، ناهيكم عن إقامة الحدود، والأخذ على أيدي السفهاء، فإن غلبة الشفقة على المجرمين قسوةٌ على الجماعة، وتشجيعٌ على الإجرام، ولهذا قال سبحانه: وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ اللَّهِ .
وقل مثل ذلك في معنى الشدة على الكافرين في مقابل الرحمة بالمؤمنين في قول الله عز وجل: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ، فقد جاء الإسلام بالرحمة العامة، حتى بالكفار، إلا من كان مصدر خطر ومثار رُعب، فإن مصلحة الجماعة في الشدة معه رحمةً به وبغيره.
لقد أرسل الله رسوله محمدًا ( بهذا الدين، رحمة للعالمين، ولكن ذئاب البشر أبوا إلا اعتراضَ الرحمة المرسلة، ووضعَ العوائق في طريقها حتى لا تصل إلى الناس، فلم يك بدٌّ من إزالة هذه العوائق، والإغلاظ لأصحابها، فليس في الرحمة قصور، ولكن القصور فيمن حرم نفسه متنزّلاتها .