ولما قَرُب النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة نزل مكانًا يقال له"سَرف"، فحاضت عائشة ، فدخل عليها فإذا هي تبكي ، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: والله لوددت أن لم أكن خرجت العام، قال: لعلك نَفِستِ؟ أي حضتِ ، قالت: نعم. فجعل - صلى الله عليه وسلم - يواسيها ويقول: (إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم ، افعلي ما يفعل الحاج ، غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري) .
وقد أخذ العلماء من هذا أن المرأة المتمتعة إذا حاضت قبل أن تطوف طواف العمرة، ولم تطهر قبل وقت الوقوف بعرفة فإنها تدخل الحج على العمرة فتكون قارنة ، وتفعل ما يفعل الحاج ، وتؤخر الطواف والسعي حتى تطهر .
وبعد ثمانية أيام ، وصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة ، ولما قرب من مكة بات عند بئر"ذي طوى"في المكان المعروف اليوم بجرول أو آبارِ الزاهر، ليستريح من نصب الطريق ووعثاء السفر ، فلما أصبح اغتسل ثم دخل مكة ضحى يومِ الأحد من ثَنِيَّة كَداء، وهي التي تنزل اليوم على جسر الحَجون، فأناخ راحلته عند المسجد، ودخل من باب بني شيبة ، وهو الباب الذي كان يدخل منه يوم كان بمكة أيام الدعوة والصبر والبلاء ، فيا لله ما الذي كان يتداعى في خاطره في تلك الساعة .. أما دخل الحرم ليصلي فيه قبل نحو عشر سنين فألقوا سلا الجزور على ظهره وهو ساجد؟ أما دخل الحرم فقام إليه ملأ من قريش فأخذوا مجامع ردائه فخنقوه به .. فإذا به اليوم يدخل الحرم ، وقد صدقه ربه وعده، وأظهره على الدين كله.