وينزل الروح الأمين جبريل على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - بالوحي من ربه في هذا الموقف العظيم بهذه الآية العظيمة"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا"، فسري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأها على الناس معلنًا كمال الدين وتمام النعمة، فلما سمعها عمر رضي الله عنه فَقِهها ، واستشعر من معناها أن مهمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد انتهت ، فاستعبر باكيًا وهو يقول: ليس بعد الكمال إلا النقصان.
وقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقية يوم عرفة في حال من التضرع واللهج بالدعاء والثناء على الله ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير .
ولما كان آخرَ النهار دعا - صلى الله عليه وسلم - بأسامة بن زيد، ليكون رديفه، هذا الشاب الأسود الأفطس الأجعد هو الذي حظي بشرف إرداف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكأنه - صلى الله عليه وسلم - بهذا الانتخاب والاختيار يعلن تحطيم الفوارق بين البشر، ويدفن تحت مواطئ راحلته كل النعرات الجاهلية، والنزعات العنصرية، فلا فضل لعربيٍ على أعجمي، ولا لأبيضَ على أسودٍ إلا بالتقوى .
فلما غربت الشمس أشار - صلى الله عليه وسلم - للناس قائلًا:"ادفعوا على اسم الله"، فدفع الناس معه، وهو - صلى الله عليه وسلم - في حَطْمَتهم وغمارِهم، وقد رفع يمينه المباركة يشير إليهم بسوطه قائلًا: (رويدًا أيها الناس، السكينة السكينة، إن البر ليس بإيجاف الركاب) ، يقول ذلك وقد شَنَق راحلته وكبح زمامها، حتى إن رأسها ليصيب مَورك رحله ، فلما وصل مزدلفة صلى المغرب والعشاء جمع تأخير ، ثم نام - صلى الله عليه وسلم - ليلته تلك إلى السحر، بعد يومٍ طويلٍ ، حافلٍ بالأعمال العظيمة .