عباد الله .. وبعد أعمال يوم النحر ، عاد - صلى الله عليه وسلم - إلى منى، فصلى بالناس صلاة الظهر، ثم مكث بها يومه يصلي الصلوات قصرًا في أوقاتها ، ويعمر وقته بذكر الله ، فكان يكبر في قُبَّته ويكبر أهل منى بتكبيره حتى ترتج فجاج منى بالتكبير .
فلما زالت الشمس في اليوم الحادي عشر توجه إلى الجمرات ماشيًا فبدأ بالصغرى فرماها بسبع حصيات يكبر الله مع كل حصاة ، ثم تقدم حتى أسهل بعيدًا عن زحام الناس، فرفع يديه واستقبل القبلة ودعا وتضرع طويلًا، ثم قصد الجمرة الوسطى فرماها كما رمى الصغرى، ثم أخذ ذات الشمال واستقبل القبلة ورفع يديه داعيًا متضرعًا وأطال الوقوف، ثم رمى جمرة العقبة ولم يقف عندها. وهكذا صنع في رمي الجمار في اليوم الثاني عشر والثالث عشر .
لقد كان - صلى الله عليه وسلم - سمحًا في إقامة المناسك ، فرخص للرعاة أن يرموا يوم النحر ثم يدعوا يومًا ثم يرموا من الغد، ورخص للعباس أن يبيت بمكة لأجل سقايته، وكان يقول لمن قدم وأخر: افعل ولا حرج، فما سئل عن شيء يومئذ إلا قال: افعل ولا حرج .
ولما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخرج من منى ، تذكر أيام الدعوة الأولى التي شهدتها هذه الأماكن ، فقال: نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ .
لقد اختار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيف بني كنانة لنزوله ؛ ليظهر جميلَ صنع الله وصدقَ موعوده، فهذا المكان هو الذي تحالفت فيه بنو كنانة مع قريش عَلَى إِخْرَاج النبي - صلى الله عليه وسلم - وَبَنِي هَاشِم وَبَنِي الْمُطَّلِب مِنْ مَكَّة إِلَى هَذَا الشِّعْب , وَكَتَبُوا بَيْنهمْ الصَّحِيفَة الْمَشْهُورَة ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فها هو محمد - صلى الله عليه وسلم - ينزل في ذات المكان وقد أظهره الله على الدين كله، ونصره وأعزه، وفتح له فتحًا مبينًا .