كل هذا (رزقًا للعباد) ، فأين الشاكرين؟ .
(وأحيينا به بلدة ميتًا) فكيف نعجز عن إحياء الموتى وهو أهون علينا .
ثم تنتقل الآيات من صفحات كتاب الكون إلى صفحات كتاب التاريخ البشري ، التي تنطق بأحوال الغابرين، وعاقبة المكذبين .
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
(أفعيينا بالقلب الأول) .. يا أهل العقول أين عقولكم: كيف تكذبون بالإعادة وأنتم ترون كل هذا الكون وكل هذه المخلوقات شاهدة على الإنشاء والخلق الأول؟
ثم تنتقل الآيات لتثبت قضية البعث بدليلٍ معروف ، ومشهدٍ مألوف ، لكن النفوس كثيرًا ما تغفل عنه ، بل ولا ترغب في ذكره، لأنه يفسد عليها شهواتها ، ويقطع عليها لذاتها .. إنه مشهدُ الموت وسكراتِه .. يذكر الله تعالى هذا المشهد مقرونًا بمشهد الرقابة الإلهية والإحاطة الربانية التي تحيط بالإنسان من بداية حياته حتى موته .
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ
أين المفر في الحياة؟ وأنت في قبضة مولاك .. النَّفَس معدود، والهاجس معلوم، واللفظ مكتوب، واللحظ محسوب. رقابة رهيبة مضروبة على وساوس القلب كما هي مضروبة على حركات الجوارح . فلا يفوت فيها ظن ، ولا يفلت منها وسواس .