أيها الأحبة في الله سمعنا في الأسبوع الماضي من يشنع على العلماء اختلافهم ويصفهم بأنهم فرقوا الأمة وأنه لابد من أن يجتمعوا على رأي واحد!. وهذا رأي فيه نظر فاختلاف العلماء لا يكون نابعًا من إتباع للهوى بل لا يصدر العالم فتواه إلا بعد التأمل في الدليل وواقع الحادثة؛اختلاف العلماء رحمة ولتوضيح ذلك دعونا نأخذ أمثلة من الحج؛فلكم أن تتخيلوا لو أجمع العلماء بأن الوقوف يوم عرفة لا يجزيء إلا على جبل الرحمة،وأن النفرة من المزدلفة تكون في وقت واحد وأن الطواف يكون في وقت واحد وأن السعي يكون في وقت واحد وأن الرجم يكون في وقت واحد فكم سيلحق بالأمة من مشقة وكم من الأرواح ستزهق وسط الزحام، وهكذا في الطلاق والبيوع وغيرها ...ومن هنا ساغ لطائفة من الأمة أن تتبع هذا المجتهد فيما أفتى به وأن تتبع طائفة أخرى غيره وهكذا..ولكن لابد أمام هذا الاختلاف من الأدب مع المخالف فلا يجوز لطائفة أن تتعصب لرأيها وأن تصف الأخرى بأنها ضالة أو مبتدعة أو متساهلة مادامت تتبع مجتهدًا يعتمد على الدليل من الكتاب والسنة؛ قال الإمام ابن تيمية في الرسالة الثامنة من الرسائل المنيرية في شأن اختلاف العلماء:"..إن الله أمر كلًا منهم أن يطلب الحق بقدر وسعه وإمكانه فإن أصابه و إلا فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها وقد قال المؤمنون:..رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا.. { (البقرة:286) .وقال الله قد فعلت،وقال تعالى:} وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ.. (الأحزاب:5) . فمن ذمهم ولامهم على مالم يؤاخذهم الله عليه فقد اعتدى، ومن أراد أن يجعل أقوالهم وأفعالهم بمنزلة قول المعصوم وفعله وينتصر لها بغير هدى من الله فقد اعتدى واتبع هواه بغير هدى من الله،ومن فعل ما أمر به بحسب حاله من اجتهاد يقدر عليه، أو تقليد إذا لم يقدر على الاجتهاد وسلك في تقليده مسلك العدل فهو مقتصد.."