فهرس الكتاب
قال أبو النُفيد:وكان قد أدركَ هذا الطاعون قال: كنَّا نطوفُ بالقبائلِ وندفنُ الموتى, فلما كثروا لم نقوم على الدفن.فكنَّا ندخلُ الدار وقد مات أهلُها, فنسدُ بابهَا عليهم, وفي أحداثِ سنةِ تسعٍ وأربعين وأربعمائة من الهجرة ذكر ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ خبرَ الغلاءِ والجوعِ الذي أصابَ بغداد, بحيث خلتْ أكثرُ الدور, وسُدَّت على أهلِها الأبواب لموتِهم وفناءِهم, وأكلَ الناسُ الجِيفَ والميتةَ من قلةِ الطعام, ووجُد مع امرأةٍ فخذُ كلبٍ قد أخضَّر, وشَوَى رجلٌ صبيةً فأكلَها, وسقطَ طائرٌ ميت فاحتوشته خمسةُ أنفسٍ فاقتسموه, وأكلوه, ووردَ كتابٌ من بخار ى أنَّه ماتَ في يومٍ واحد ثمانيةَ عشرَ ألفَ إنسان, والناسُ يمرون في هذه البلاد, فلا يرون إلا أسواقًا فارغة, وطرقاتٍ خاليةٍ, وأبوابًا مغلقةً, وجاء الخبرُ من أذربيجان أنَّه لم يسلمْ من تلك البلاد إلا العددُ اليسير جدًا, ووقع وباءٌ بالأهوازِ وما حولها, حتى أطبق على البلاد, وكان أكثرُ سببِ ذلك الجوع, فكان الناسُ يشوونَ الكلاب, ويَنبشونَ القبور, ويشوونَ الموتى ويأكلونهم, وليس للناسِ شغلٌ في الليل والنهار إلا غسلُ الأمواتِ ودفنُهم, وكان يدفنُ في القبرِ الواحد العشرونَ والثلاثون.