فهرس الكتاب
وأمَّا المعْلمُ الخامسُ: من معالمِ النهجِ السلفيِّ في الدعوةِ والإصلاح, فهو دعوةُ الناسِ بالحكمةِ, والتي تعني:وضعُ الشيءِ في موضعهِ, ولا تعني الخضوعِ و الضعفِ, أو البلاهةِ و الدروشةِ, كما أنَّها لا تُعني الرفقُ واللينُ دائمًا، كما يتوهمُ البعضُ, فاللينُ والرفقُ ضروريانِ في بعضِ المواقفِ, ولكنَّ الشدةُ والحزمُ أشَدُّ ضرورةً في مواقفَ أُخرى, وهكذا كانَ منهجُ النبي- صلى الله عليه وسلم- فقد كانَ هينًا لينًا, رحيمًا رفيقًا, في معاملتهِ للأعرابي يومَ انتهكَ قُدسيةَ مسجدهِ, و لوثهُ بنجاستهِ وبوله, لما يَعلمُهُ من جَهلهِ وجفائه, وحاجَتهُ إلى الرفقِ والتعليم, لاستدراكِ ما اعتادهُ من سُلوك, وما نشأَ عليه من طباع, وكذلكَ كان هينًا لينًا, وهو يحاورُ شابًا يافعًا دخلَ عليه مجلسه, فقالَ يا رسولَ اللهِ ائذن لي في الزنا, فما نَهرَهُ و ما كهره, وما عَنَفَهُ و ما سبَّهُ وما شتمه, و لكنَّهُ قرَّبهُ بلطفٍ, و حاورهُ بأدبٍ, أترضاهُ لأُمك ؟! أترضاهُ لأُختك ؟! أترضاهُ لابنتك ؟ لعمتك ؟لخالتك ؟ كلُّ ذلكَ و الشابُّ يقولُ لا واللهِ يا رسولَ الله، جعلني اللهُ فداك, فخرجَ من مجلسهِ، وما شيءٌ أبغضُ إليهِ من الزنا, ولا أحبُّ إليهِ من العفةِ, هذهِ مواقفُ اللينِ حين تقتضيها الحكمة, ويَستدعيها بُعدَ النظر, ثُمَّ تأمل باركَ اللهُ فيكَ أيُّ شدة! وأيُّ حزمٍ يواجههُ بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أسامةَ بن زيدٍ في هذا الموقفِ العجيب, بعثَ النبيُّ t بعثًا إلى المشركينَ، فكان بينهم مُسابقةٌ وقتال, فالتقى أُسامةَ رجلًا من المشركين لا يدعُ للمسلمين شاذةً ولا فاذة إلاَّ أتبعها, يضربُها بسيفه, فحملَ عليه أُسامةَ، فلمَّا هوى عليه ليقتُلهُ, إذا به ينطقُ التوحيد, فلم يكترث بهِ أسامةَ فقتله, فبلغَ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهَ، فأغلظ لأسامةِ وعنَّفهُ, يا أسامةُ، يا أسامةُ أقتلتهُ بعدَ أن قالَ لا إله إلا الله؟ قال