فهرس الكتاب

الصفحة 6582 من 13021

الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ )) .

فعقدَ المجرمونَ العزمَ على مقاومةِ ذلكَ الناصحُ الأمين, ووضعُ العراقيلِ في طريقه, فأوذي عليه السلامُ واضطُهد, وعُذِّب وطُرد, واتُهِم بالوسوسةِ والجنون, والسحرِ والكِهانةِ, ورُمي بالكذبِ وقولِ الزور, ووصفوا القرآنَ بأنَّهُ أساطيرُ الأولين, وأنَّ محمدًا تتنزلُ عليه الشياطين, حتى إذا بلغَ السيلُ الزُبى, واستعصتِ النفوسُ الخبيثةَ على الدعوة, وظهرت صلابةُ القلوبِ, وسفهُ الرجالِ, أذنَ اللهُ بالهجرةِ إلى المدينةِ الشريفة, فخرجَ صحابةُ رسولِ اللهِ r فرارًا بدينهم، وخوفًا من فرعونَ وملئِه أن يفتنهم, خرجوا تاركينَ الأرضَ التي وُلدوا فيها, والبلدَ الذي نشأوا فيه, منخلعينَ من المالِ والأهلِ والولد, فما قيمةُ المالِ والأهلِ والولد حين تُهددُ العقيدةُ, وتصادرُ الحُرية !

وما كاد يمضي طويلَ وقتٍ , إلاَّ ورسولُ اللهِ r يخرجُ في أثرِ أصحابه وهو يقولُ: واللهِ يا مكةَ إنَّكِ لخيرُ أرضِ الله, وأحبُ أرضِ اللهِ إلى الله ، ولولا أنِّي أُخرجتُ منكِ ما خرجت .

أيَّها المسلمون: إنَّ في الهجرةِ دروسًا لا تُنسى, ومآثرَ لا تُطوى, ألا ما أحوجَنا إلى تذاكرِ تلك الدروس,

واستلهام هاتيكَ العبر, في وقتٍ كشَّر العدوُّ عن أنيابه , وأطلَّتِ الرويبضةُ برأسِها القبيح, ألا إنَّ من أعظمِ دروسِ الهجرةِ الشريفةِ، ما يجبُ أن نُدركَه جميعًا, أنَّ الغايةَ الكُبرى من الوجودِ الإنسانيِ بأسرهِ هو عمارةُ الأرضِ بالتوحيدِ والإيمان, وإقامةُ حكمُ اللهِ وشرعهِ في عظائمِ الأُمورِ فما دُونها, أليس اللهُ يقولُ: (( إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُد ُونِ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت