فهرس الكتاب
إذًا فمتى تعذَّرَ تحقيقُ هذه الغايةِ فوقَ أرضٍ ما, فلا بُدَّ من البحثِ عن غيرِها مهما كان الثمن, ومهما كانتِ التضحيات، أملًا في إيجادِ أرضيةٍ صالحةٍ للانطلاقةِ العُظمى, ونشرِ الإسلامِ في ربوعِ الأرض, وعرضِ العقيدةِ بصفائِها, ونقائِها على الناسِ, دون ضغطٍ أو إكراهٍ, وهكذا كان الأمرُ في مكة, فيومَ رفضَ أهلُها الإيمانَ والتوحيد وآثروا الكفرَ والتقليد, أصبحتْ مكةُ بلدَ كفرٍ ودارَ حربٍ, وحُرِّمَ البقاءُ فيها, وأصبحتْ مجاورتُها مع القدرةِ على مُغادرتِها واحدةً من كبائرِ الذنوب: (( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) ).
وأمَّا الدرسُ الثاني من دُروس الهجرةِ: وهو ذو علاقةٍ وثيقةٍ بسابقهِ . ويوضحهُ ويجليهِ, أنَّهُ لا قيمةَ للأرضِ ولا للوطنِ حين تفسدُ الأرضُ ويكفرُ الوطن .
لقد هاجرَ النبيُ r وأصحابهُ الوطنَ الذي تربَّوا فيه, والأرضَ التي نشأوا فوقها, وباعوها بأرخصِ الأثمانِ, واشتروا أنفسَهم وأموالَهم بأنَّ لهم الجنَّة وفي هذا كلِّهِ صفعةٌ لكلِّ الذين يُمجدون الأرضَ والرمال, ويُعظمونَ الصخورَ والترابَ على حسابِ العقيدةِ, حتى إنّهم ليفضلونها على جنِّةِ الخُلدِ لو دخلوها .
فيقولُ شاعر هم:
وطني لو شُغلتُ بالخُلدِ عنهُ *** نازعتني إليهِ في الخلدِ نفسي
ويقول آخر:
وطني لو صوروهُ لي وثنًا *** لهممتُ ألثُمَ ذلك الوثنا
ويقول وثنيٌ ثالث:
ويا وطني لقيتُكَ بعد يأسٍ *** كأنِّي قد لقيتُ بكَ الشبابا
أديرُ إليكَ قبلَ البيتِ وجهِي *** إذا فهتُ الشهادةَ والمتابا
وحتى الأطفالُ الصغارِ يُربونَهم على مِثلِ هذا الإلحاد, اسمع إليهم وهم يُرددون .