وبعد سنتين، وقعت معركة شَقحَب في شهر رجب سنة 702هـ، عاد جيش التتار إلى بلاد الشام من جديد، ووصلوا إلى حمص، ثم بعلبك، واقتربوا من دمشق، فاشتد خوف الناس، واجتمع الأمراء والعلماء فتحالفوا على الجهاد، وكان شيخ الإسلام يطمئن الناس، ويحلف أنهم سينتصرون،فيقولون: قل إن شاء الله. فيقولها تحقيقًا لاتعليقًا.
ثم بدأ بعض الناس يشككون في شرعية قتال التتار، فأفتى ابن تيمية بوجوب قتالهم، بل قال:"إذا رأيتموني في ذلك الجانب (أي في جانب العدو) وعلى رأسي مصحف فاقتلوني"فتشجع الناس للقتال.
في أواخر شعبان، خرج الجيش الشامي من دمشق لمواجهة التتار، وخرج ابن تيمية مع أصحابه ليشاركوا في القتال، فظن بعض الناس أنه يريد الهرب فقالوا: تمنعنا من الهرب وتهرب الآن من البلد؟ (سبحان الله ما أسرع ما يقع العامة في العلماء) ، ومضى الشيخ رحمه الله إلى المعركة، ولم يرد على جهلهم.
انضم الجيش الشامي إلى الجيش المصري بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون والخليفة المستكفي بالله، وأفتى ابن تيمية بالفطر في رمضان، وكان يدور على الأمراء والجند ومعه شيء يأكل منه، ليعلموا أنه مفطر. والتقى جيش المسلمين بجيش التتار في موضع يقال له (شَقْحَب) وهو الطرف الشمالي من مَرج الصُّفَّر. وبدأ القتال ظهر السبت الثاني من رمضان، وثبت الخليفة والسلطان الناصر الذي بايع الله في ذلك الموقف على النصر أو الشهادة، وأمر أن يقيَّد جوادُه حتى لا يهرب.
قال أحدالأمراء: لما اقترب التتار، التفت إلي ابن تيمية، وقال: يا فلان أوقفني موقف الموت. يقول الأمير: فنقلته إلى مقابلة التتار، وهم منحدرون كالسيل، تلوح أسلحتهم تحت الغبار، ثم قلت: ياسيدي هذا موقف الموت، وهذا العدو قد أقبل تحت الغبرة. فرفع الشيخ طرفه إلى السماء، وأشخص بصره، وحرك شفتيه طويلًا يدعو ربه، ثم التحم بالتتار .