أخبار المجاهدين، ويسمع عنهم بشغف، ويتلهف للخطب والمحاضرات فعلمه بأحداث الجهاد قد جعل البناء في نفسه ينمو، أخذ يسأل عن أحوال المجاهدين، ويستلهم الرحمات من الله لعزماتهم ويعتصر الألم قلبه، إذ كيف يتقلب بالنعيم وحرمات المسلمين تنتهك، وأرض المسلمين مغتصبة، كان هناك في نفسه ثورة، يجاهد نفسه في ذات الله، تغلب على نفسه منذ البداية فشق الطريق، وأخذ يسير باتجاه الجهاد ليحقق ذاته ويبحث عن نفسه فيسمو بها نحو العلى، أحدث حب الجهاد في نفسه انقلابا وثورة كذلك، فأصبح يفكر كيف يصل إلى المجاهدين بدل أن يسمع عنهم، أراد أن يكون من صناع الحياة مثلهم، ليصبح جزءا ممن صنعوا التاريخ. كانت آيات الله تعالى تطرق مسامعه وتناديه فيتذكرآهات المعذبين من الأرامل والولدان والرجال الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا في أفغانستان وفلسطين وغيرها من بلاد الإسلام (أنفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون)
و (يا أيها الذين آمنوا مالكم اذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم الى الارض ارضيتم بالحياة الدنيا من ألآخرة فما متاع الدنيا في الآخرة الا قليل. . .) (يا ايها الذي استجبوا لله اذا دعاكم لما يحييكم واعلموا ان الله يحول بين المرء وقلبه وأنه اليه تحشرون) حين كان يسمعها يكاد قلبه يطير، يشعر بالضياع حين يرى أنه يعيش في هذه الدنيا، وإخوته في المعارك ينازلون أعداء الإسلام ويدافعون عن حرمات المسلمين، ولهم ما لهم من الدرجات العلى إن استشهدوا أو انتصروا. لم يمهل نفسه التفكير ولم يرضى لنفسه السلامة فهوالمجاهد والمغامر:
إذا غامرت في أمر مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر عظيم ... كطعم الموت في أمر حقير. حاول بعض الشباب استقطابه للعمل في ساحة الأردن، وتكثير سواد المسلمين والتحريض على الجهاد، لكنه رأى أن هذه البضاعة كاسدة وبضاعة من لا بضاعة له، فلم يقتنع بتلك الأقوال، وكان يعتبر المقام في بلاده والجهاد قائم هو مضيعة للوقت وقتل للمروءات. تأثرت شخصيته بالأحداث المحيطة وكانت ثقته بنفسه كبيرة، أصبح لحوحا ومهتما للخروج إلى الجهاد، حين عرف حكم الجهاد، وبدأ برأس الأمر ثم تدرج إلى ما هو دونه. قبل زواجه كان قد خطا خطوات عملية نحو الإنطلاق إلى أفغانستان ثم بعد زواجه خف حديثه قليلا فظن أصحابه ربما تغيّر رأيه تجاه الجهاد، وأصبح مهموما بذلك حيث تزوج يوم 25\ 9\1998 وكان عمره ثلاث وعشرون سنة.
في يوم زواجه جاء أحد أصحابه المجاهدين من أفغانستان، وكان مصابا إصابة بالغة في بطنه، فتشوق ابو مصعب لزيارته، وأخذ يسأله عن أحوال المجاهدين، فألهب حديث صاحبه عن الجهاد قلبه وأحرق مشاعره فازاد شوقا وعزما، وأخبره أبو مصعب بقراره التوجه إلى أرض الجهاد، إلا أن صاحبه أراد له التريث لحداثة التزامه، ولعلهما يذهبا سويا، خاف عليه،،كان يرى صاحبه -كما يرى كثير من الناس في أيامنا هذه- أنه ربما لا يناسبه التوقيت في الذهاب للجهاد حيث حداثة الإلتزام، وهذا التصور ينسحب على كثير من العاملين للإسلام الذين خدعوا بهذا التصور حيث اعتبروا من يريد الذهاب للجهاد فلابد له أن يكون ملتزما-داعية وفقيها- لكن صدق أبو مصعب وتوجه إلى الله في فترته تلك تفوق