فهرس الكتاب
رحم الله؟ .. بعد اعتقاله قامت الباكستان بتسليمه الى مصر وكان في نفس زنزانتي. وكان أبو مصعب قد خلع طرفه وألقاه في اتجاه أحد الدعاة حينما قال لهم ماذا هنا لماذا لا تذهبون الى كابل وتحرروها. بقيت عشرة أيام ثم عملت إضرابا عن الطعام، فجاء لي المحقق الباكستاني بالشاي حتى افطر فرفضت وقلت له"ما مجرم"أي أنا مجرم قال"تو مجرم"نعمانت مجرم، فتصايحت أنا وإياه، ثم تركت مكتبه وانطلقت إلى زنزانتي وحدي، ثم أرسل لي الباكستانيون، واعظا دينيا فأخذ يستشهد لي بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية ويذكرني بالصبر حتى ذكر الآية الكريمة (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأنفس والثمرات وبشر الصابرين) ثم اخذ يقول لي هذا بلاء عليك أن تصبرعليه، كان حكيما معي، وبقي معي ساعات طوال على مدار أيام فلم أهتم لقوله، ولم أرض بذلك فأرسلوني إلى الأمريكان، كان المكان الذي أخذوني اليه أشبه بعيادة فيها مراجعون كثير عرب وغيرهم، لكنهم يتميزون عن تلك العيادة أن هؤلاء كل روادها أصحاب لحى وبأيديهم وأرجلهم الجنازير، ثم جاء دوري بالدخول على الأمريكان ومحققيهم، أثناء دخولي رأيت المحقق الباكستاني الذي تركته في الأيام الخالية واقفا كالبواب والخادم ظرت اليه فابتسم بوجهي وبقي حتى خرجت، صورني الأمريكان ثم صورني الباكستانيون ثم صورني المحقق العربي، وكان لسانه لا يختلف عن لساننا يتكلم بلغة أهل بلادنا، فلسطيني أو أردني، فقلت له:"من أين أنت"، قال:"أنا منكم وفيكم جئت أخدم هنا واساعد في هذه الظروف"، ثم صورني بكاميرا صغيرة كانت بحوزته فقلت له لماذا تصورني فقال:"أريد أن احتفظ بالصورة هذه حتى إذا كبر أولادي أقول لهم أن هذا صحفي عربي لم يستخدم عقله وجاء في وقت غير مناسب"، ثم سألني اسأله عامة عن دراستي وأولادي وزوجتي ثم قال لي:"ستذهب الى بلدك في يومين افطر وستذهب كلها يومان ولا تتعب نفسك"أفطرت وكنت صائما في تلك الفترة كانت مرحلة جديدة على نفسي، فأردت أن أتقوى بالصيام وذلك لانه يأتي بالتقوى ولا يعين الأنسان في تلك المراحل الا الله تعالى بالتقوى ليصبح المرء أقوى، ثم بعد فترة مضت وأنا انتظر رأيت انهم خدعوني، ولم ينفذوا ما قالوه لي فقمت بالإضراب عن الطعام مرة ثانية، كان في الزنزانة المجاورة أبو قتادة العراقي قد اختطفه الباكستانيون، ولا يدري أهله أين هو، كان يبعد عن أهله أقل من عشرة كيلو مترات، وخلال أحد عشر شهرا لم يعرف عنه أهله شيئا، جاءت أمه إلى الباكستان عند زوجته وأولاده، كادت تعمى عينها من كثرة البكاء عليه شأنها كشأن بقية حرائر العراق أدمى البلاء قلوبهن وأجسادهن فكن من خيار نساء أمتنا نسأل الله أن يعينهن ويفرج عنهن كروبهن. لم تفيد الأجهزة الأمنية أمه بشيء، كانت تذهب من بيشاور إلى إسلام أباد وتبحث عن ابنها الذي لا يبعد عنها سوى عشرة كيلوا مترات، ويقولون لها لا نعرف عنه شيئا، بعد أحد عشر شهرا سمحوا له أن يتصل مع أهله، كان يقول لي:"إذا عملت إضرابا فنم وأشعرهم بالضعف"عملت إضرابا عن الطعام، وكان نومي هو مراجعة للقرآن وما أحفظ، فكان الوقت عليّ يمر بسرعة كانوا مرهقين يذهبون ويأتون وأقلقهم إضرابي، والإضراب عموما سلاحا قويا يجعل العدو يعيش حالة نفسية غير مستقرة .. وفي النهاية كانوا يأتون ويتكلمون معي فلا أنظر إليهم وأخيرا قالوا:"ستذهب الى بيت ضيافة في إسلام أباد ومن هناك ستسافر الى بلدك"لم اكن احب أن أقوم بعمل اضرب عن الطعام فقد كنت