فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 9788

العيش وقوة ومنعة ولو أنهم أمعنوا النظر وأعملوا الفكر لأدركوا أن ذلك متاع ظاهري مقرون بالقلق النفسي من ناحية ومهدد بالزوال والتدمير من ناحية ثانية ومتبوع بالعقاب والسخط الإلهي من ناحية ثالثة لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد عباد الله ! إن إقامة الحدود الشرعية وتطهير المجتمع من بذور الإجرام قد أثار حقد أعوان الشيطان من القانونيين الكفرة فبدؤوا يلقون الشبه حول تطبيق الحدود يريدون تعطيلها وإحلال قوانين الكفر والضلال محلها تلك القوانين الوضعية التي شقي بها معظم المجتمعات فهم يريدون أن يعم الشقاء حيث زعموا أن في إقامة الحدود ضربا عنيفا من القسوة العاتية التي تتنافى مع الإنسانية الرحيمة ومع الشفقة التي يجب أن يتحلى بها الناس والتي تساير المدنية الحديثة والحضارة الراقية المهذبة إلى آخر ما قالوا من هذه العبارات الجوفاء الخاوية ونقول لهؤلاء نعم إن في إقامة الحدود مظهرا من مظاهر الشدة التي تسمونها قسوة ولا بد لكل عقوبة أن يكون فيها مظهر شدة أيا كانت وإذا لم تشتمل العقوبة على شيء من الشدة فأي أثر لها في الزجر والردع ثم نسأل عقول هؤلاء إن كانت لهم عقول ما الذي حمل على هذه القسوة في نظركم وما الذي دفع القاضي أن يحكم بهذه القسوة إن الذي دعا إلى هذا هو شيء أشد منه قسوة ولو تركنا هذه العقوبة القاسية فيما تزعمون لوقعنا في أمر أقسى من العقوبة وأقسى من موجبها فمن الرحمة والشفقة أن تقيم الحد ففيه رحمة بالمحدود وبمن اعتدي عليه ألا ترون إلى الطبيب الماهر الذي يستأصل بمبضعه جزء حيا من جسم أخيه الإنسان من كبده أو طحاله أو أمعائه أو كليته أو أي موضع في جسده أليست عملية البتر وضرب المبضع في اللحم الحي مظهرا من مظاهر القسوة وهل يستطيع أن يمارس هذه العملية إلا قلب قوي يعد في نظركم أيها المترفون قلبا قاسيا ولكنها لو تعلمون قسوة هي الرحمة بعينها وبخاصة إذا قيست

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت