فهرس الكتاب

الصفحة 2356 من 9788

ولِما رآه من هزال الفهم لدور المسجد صَدَعَ أديب القرآن الرافعيُ رحمه الله بحقيقة دور المسجد فقال: (فالمسجد في حقيقته موضع الفكرة الواحدة الطاهرة المصححة لكل ما يزيغ به الاجتماع ؛ هو فكر واحد لكل الرؤوس ، ومن ثم فهو حل واحد لكل المشاكل وكما يُشَقُّ النهر فتقف الأرض عند شاطئيه لا تتقدم ؛ يقام المسجد فتقف الأرض بمعانيها الترابية خلف جدرانه لا تدخله) ويتابع فيقول: (فما المسجد بناءً ولا مكانا كغيره من البناء والمكان ؛ بل هو تصحيح للعالم الذي يموج من حوله ويضطرب فان الحياة أسباب الزيغ والباطل والمنافسة والعداوة والكيد ونحوها ، وهذه كلها يمحوها المسجد ، إذ يجمع الناس مرارا في كل يوم على سلامة الصدر وبراءة القلب وروحانية النفس ولا تدخله إنسانية الإنسان إلا طاهرة منزهة مسبغة على حدود جسمها من أعلاه وأسفله شعار الطهر الذي يسمى الوضوء ؛ فكأنما يغسل الإنسان آثار الدنيا عن أعضائه قبل دخول المسجد) 6.

فإن سألت عن أسباب التشرذم بين المسلمين ، قلت لك: ضياع فقههم لدور المسجد ، وإن حيرتك كثرة خلافاتهم لَفَتُّ نظرك إلى تفريطهم بالقيام برسالة المسجد ، وإن أذهلك التباين الشديد في آراء كثيرين منهم وتضارب أفكارهم ، وبحثتَ عن حل فما أنت بواجد خيرا من المسجد ، وإن أردت معالجة العلل وبناء النفوس وتربية الأمة وحمل العقيدة فعليك بالمسجد ، وإن آذتك الأنانية الطاغية في الحياة والانهماك في الشهوات ، والجفاء عن الخلق والأدب والدين ، فاعلم أن بداية الإصلاح من المسجد ؛ لا بالحفاظ على جدرانه ومعانيه مفقودة ، ولا بتزيينه والقلوب خواء ، ولا بملئه بأجسامنا والنفوس معلولة لا تعشق إلا متاع الحياة ، بل بإعطائه حقه فيكون هو الفكر الواحد لكل الرؤوس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت