ويكون الرسول عليكم شهيدا ثم قال والوسط العدل وهذه الخيرية لهذه الأمة الميمونة ليست ذاتية ولا عرقية ولا عصبية ولكنها خيرية مستمدة من الرسالة التي شرفت الأمة بحملها للناس أجمعين ولم يكن هذا التكريم والتفضيل لهذه الأمة إعتباطا وإنما كان لأمة استقامت على دين الله وحولت الإسلام إلى منهج حياة في جانب الاعتقاد وفي جانب التعبد وفي جانب التشريع وفي جانب المعاملات والأخلاق والسلوك وأقامت للإسلام دولة من فتات متناثر أذلت الأكاسرة وأهانت القياصرة وغيرت مجرى التاريخ في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئا وفتحت نصف كرة الأرض في نصف قرن من الزمان ثم راحت الأمة تبتعد شيئا فشيئا عن أصل عزها ونبع شرفها حتى وقعت في المنكر الأعظم الذي لم يكن يخطر البتة لأحد على بال يوم أن نحت شريعة الله عز وجل وحكمت قوانين الشرق والغرب فخابت وخسرت ونزلت من عليائها إلى هذا الدرك من الذل والهوان الذي وصلت إليه اليوم بل وأصبحت قصعة مستباحة للذليل قبل العزيز وللضعيف قبل القوي وللقاصي قبل الداني كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود من حديث ثوبان أنه صلى الله عليه وسلم قال يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل من قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت نعم لقد أصبحت الأمة غثاء من النفايات البشرية تعيش على ضفاف مجرى الحياة الإنسانية كدويلات متناثرة ومتصارعة تفصل بينها حدود جغرافية ونعرات قومية مصطنعة وترفرف في سمائها راية القومية وتحكمها قوانين الغرب العلمانية وتدور بها الدوامات السياسية فلا تملك نفسها عن الدوران ولا تختار لنفسها المكان الذي تدور فيه ذلت بعد عزة وضعفت بعد قوة وجهلت بعد علم وأصبحت في ذيل القافلة الإنسانية بعد أن كانت بالأمس القريب تقود القافلة بجدارة