تواصل صار كثيرا والقليل من صاحب الود لا يقال له قليل فتقع المودة ويسقط التكلف ويزداد الأمر تأكيدا على عدم رد الهدية إذا كانت إحدى ثلاث أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ثلاث لا ترد الوسائد والدهن واللبن رواه الترمذي والدهن هو الطيب وحاصل الأمر عباد الله أن العاقل الحصيف من يستعمل مع أهل زمانه شيئا من بعض الهدايا بما قدر عليه لذي رحمه الأقرب فالأقرب ولجيرانه أقربهما منه بابا لاستجلاب محبتهم إياه وإن كان عنده الشيء التافه فلا يجب أن يمتنع من بذله لاسحقاره أو استقلاله لأن أهون ما فيه لزوم البخل والمنع ومن حقر شيئا منعه بل يكون عنده الكثرة والقلة في الحالة سيان لأن ما يورث الكثير من الخصال أورث الصغير بقدره من الفعال وإن البشر طرا مجبولون على محبة الإحسان وكراهية الأذى واتخاذ المحسن إليهم خلا وفيا واتخاذ المسيء إليهم عدوا بغيضا ويا لله فلطالما استعبد الإنسان إحسان كريم لا سيما إذا كان في موقف الرد على الإساءة من غيبة أو نميمة أو نحوها ولقد روى الحافظ ابن حبان البستي بسنده أن أبا حنيفة رحمه الله لما اشتهر وعلا صيته قال فيه بعض حاسديه كنا من الدين قبل اليوم في سعة حتى بلينا بأصحاب المقاييس فبلغ ذلك أبا حنيفة فبعث إليه بهدية جزاء ما فعل فلما قبضها القائل ندم وملكت الهدية قلبه فكفر عما فعل بقوله إذا ما الناس يوما قايسونا بآوبة من الفتيا طريفة أتيناهم بمقياس صحيح مصيب من طراز أبي حنيفة إذا سمع الفقيه بها وعاها وأثبتها بحبر في صحيفة فالله أكبر كم تزيل الهدية من السخائم وكم تنسخ من الشتائم وبعد عباد الله فإن ما مضى من الحديث عن الهدية ببيان فضلها وأثرها وحكمها لا يمنع كونها محل تصنيف العلماء وتقسيمهم إلى ما يجوز منها وما لا يجوز ولأجل ذا فإنه يجدر بنا في مثل هذا المقام أن نشير على عجالة واختصار شديدين إلى بعض المحاذير التي تقع فيها المجتمعات إبان حياتهم اليومية اجتماعية