ومن أعجب ما ذكر لنا من أخلاق الأخوة أن إخواننا في جماعة الدعوة والتبليغ إذا قام خطيب فيهم ليتكلم انتحى بضعة منهم يسألون الله له التسديد والصواب! لا كما يفعل بعض الناس من أكل لحم خطيبهم كلما أتاهم بما لا يحبون أن يفهموه ولا يسألون عنه فيتعلمون ولا ينصحون به كما أمر الله فيؤجرون .
يا أيها الناس إن ربكم تعالى يقول لكم (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) 18.
والأخوة في الله من أعظم النعم.. ومن فاتته فاته خير كثير.. والأخوة ليست كلاما يتلى ولا قصائد تدبج ولا أدبا يتسامر به .. الأخوة عقيدة ونظام .. شريعة وفقه .. روح والتزام .. بذل وإيثار .. الواحد من صحابة رسول الله كان يقتسم مع أخيه ماله وبيته .. فكم لنا من الأخوة نصيب؟ ولله در المسجد ما أعظمه يعلم الأخوة والتواضع ، ولئن سألت عن مصيبة من مصائب المسلمين الكبرى لقلت لك: قلة الإخاء بينهم .. إذا كان بعض الناس في كل يوم جمعة يتذمرون من ضيق المكان للسجود فما نصيبهم من الأخوة .. فوا الله إن فقههم بها لقليل.. ولو كان في المسجد فسحة لوجب عليهم أن يتراصوا حتى يسري الإيمان في قلوبهم جميعا كسراج يقتبس من سراج كما يقول الشعراني رحمه الله فان الدارة المنفردة عن التيار العام لا تسري فيها الكهرباء .. ولو لم يكن لتراص الصفوف إلا حرق حجاب الطبيعة الغافلة لكفى .. فهناك من يصادر مترًا أمامه ثم يقول للناس صلوا ولا تزعجوني! وفاهم فقه الأخوة لا يضره الزحام بل يستشعر فيه أخوة الإيمان ويتعلم التواضع والإيثار بل تدمع عينه ويشكر ربه إذا مست قدم أخيه رأسه في السجود .. ليحقق بعضا من قوله تعالى (أذلة على المؤمنين) .. ومن تتكبر نفسه عن مجالسة أخيه فكيف ببذل ماله ودمه من أجله..