فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
صبرت أسماء ، ولمَّا مات زوجها كانت تركته من التجارة خمسة ملايين ومائتي ألف درهم ما جمعها من حرام ولا نفوذ ولا جاه وما قعدت به عن علم ولا جهاد ، بل علَّم الدنيا أن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم رجال مال وتقى ، أشداء في النهار رهبان رقاق في الليل ؛ فلقد تعلموا من نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم أن (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير..) 12، ورغم كل المال الذي فاض فما بطر الزبير ولا أسماء وكان له ألف خادم يعملون لحسابه ، ولكنه كان ينفق باليمين والشمال ، وما جبيت من الزبير زكاة قط! ما كان يجمع ليدخر بل يجمع وينفق ، لأن عقيدته: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يومٌ لا بيعٌ فيه ولا خُلَّةٌ ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون) 13.
وعاشت أسماء مائة عامٍ ما سقط لها سنٌّ ولم يُنكر لها عقل ؛ وفي آخر عمرها كانت البيعة الشرعية معقودة لابنها عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في الحجاز وفارس وخراسان ثم انقادت له مصر ؛ واجتمع المسلمون عليه إلا أمراء في الشام كانوا أدهى منه وأعلم بالسياسة ؛ فحركوا العوام وبطشوا حتى تقلص ملكه ثم حاصروه في بيت الله الحرام ، فتحصن بالبيت فنصبوا المنجنيق ينهال بالصخور وعُرض عليه الفرار فأبى وما رضي أن تختم حياته الحافلة بالجهاد بموقف جبان , وذهب عبد الله يستشير أمه أسماء ... العجوز ذات المائة عامٍ ؛ كفيفة البصر! وقال لها: يا أم قد خذلني الناس حتى أهلي وولدي ولم يبق لي أمل والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا فبماذا تشيرين؟ ووقف قلب الأم يوازن الأمور مع البيعة الشرعية والحق الواضح وكادت تغلبها عاطفتها وتذكرت ولادته في قباء ومرت بها أطياف الجاهلية وبقايا الطواغيت المتفرعنين وتفجرت في قلبها معاني الثبات على المبدأ والصبر على المحنة ؛ الموت أشرف من أن تدفع الأمة بشرعيتها إلى الظالمين.