تأمل هذه النفسية العالية من محمد بن مسلمة ،يجد الحرج من أن ينال من الإسلام وأهله وهو في حالة حرب، وفي موطن خداع، وقد أباحت له الشريعة ذلك. أفلا يتقى الله أولئك الذين صار دينهم هو الطعن في الناس ،واتهام الآخرين ،واتهام النيات ،والنيل من أهل الإسلام ودعاته، ويدّعون التقرب إلى الله بهذا الصنيع. فإنا لله وإنا إليه راجعون. انطلق محمد بن مسلمة وذهب معه أبو نائلة وهو أخو كعب بن الأشرف من الرضاع. فأتى ابن مسلمة إلى كعب في حصنه، فقال له: إن هذا الرجل (يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قد سألنا صدقةً ،ونحن لا نجد ما نأكل، وإنه قد أتعبنا وشق علينا ،وإني قد أتيتك أستسلفك ثم تكلم أبو نائلة فقال: لقد كان قدوم هذا الرجل علينا بلاءً ،عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة وقطعت عنا السبيل حتى ضاع العيال ،وجهدت الأنفس ،فقال كعب: لم تروا شيئًا كثيرًا بعد ،وهذا قليل من اتباع هذا الرجل.
فلما رأى ابن مسلمة أن الحيلة قد انطلت على كعب. قال: إنا قد اتبعناه ولا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا أو وسقين. فقال كعب: وأين طعامكم؟ قالا: أنفقناه على هذا الرجل وعلى أصحابه. فقال كعب: أسلفكم ولكن ارهنوني.قالوا وأي شيء تريد؟ قال: ارهنوني نساءكم قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب تُعجب بك النساء. فانتشى لسماع هذا الكلام وأعجبه هذا المديح. فقال: فارهنوني أبناءكم قالوا: كيف نرهنك أبناءنا؟ وفي هذا عار علينا ،وستتكلم العرب ،لكن نرهنك سلاحنا مع علمك بحاجتنا إليه. قال: نعم ،وهذه الحيلة أيضًا انطلت عليه. فقال أبو نائلة ،إن معي أصحابًا لي على مثل رأيي إن أردت آتيك بهم. أراد أبو نائلة ألا ينكر كعب السلاح إذا جاءوا به.