منه ومن سر بقوة جسمه في غير طاعة الله فليعلم أن البغل والثور والفيل أقوى منه جسما ومن سر بحمله الأثقال فليعلم أن الحمار أحمل منه فأي فخر وأي سرور فيما تكون فيه صورة البهائم متقدمة عليه إن أي امرئ لا يعرف إلا الأخلاق لن يغلبه من لا يعرف الأخلاق وإن من لا يعرف إلا الله لن يسبقه من لا يعرف الله عباد الله إن المؤمن الغيور ليمسك بكلتا يديه كبده المحترق وقلبه المتقطع أسفا وحسرة وإنه ليتساءل أين المجتمعات الصالحة التي كان يغمرها الحياء والخجل وحسن التخلق ؟ وأين الذين كانوا يتعاشرون بطباع الفضيلة وأخلاق الشيم والإباء ؟ وما المخرج من هذا الحضيض الأوهد والشقاء المؤصد الذي انحدر إليه كثيرون فأصابهم بقذره وخناه إلا من رحم الله ؟ ألا إن المخرج دين يحفظ ويردع وحذر بأمر الله ينفع وتواص بالحق وتواص بالمرحمة الدين عباد الله هو منشأ الأخلاق ومنبع الفضائل فلا يصح دين بلا أخلاق وماذا تجدي الأخلاق إذا عريت عن الدين بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علل بعثته في أوجز عبارة وأجمع إشارة فقال إنما بعثت لأتمم محاسن الأخلاق رواه الحاكم والبخاري في الأدب المفرد ولا غرو أيها المسلمون أن تكون هذه رسالته وهو من قال فيه ربه وإنك لعلى خلق عظيم القلم فلا جرم إذا عباد الله أن يكون الدين هو الخلق فمن زاد علينا في الخلق أو نقص زاد علينا في الدين أو نقص كما نطق ابن القيم في مدارجه رحمة الله ومقولته هذه مصداق لما قاله البشير النذير أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا رواه الترمذي وما ذكره بقوله البر حسن الخلق رواه مسلم وقوله إن من خياركم أحسنكم أخلاقا رواه البخاري ومسلم وقوله صلوات الله وسلامه عليه ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من خلق حسن رواه الترمذي وقال حسن صحيح غير أن الأمر عباد الله قد بات من الخطورة بمكان حيث ظن أغرار متفيقهون من ذوي البهاليل وإنما هم في الحقيقة رجع الصدى لنواقيس الإفرنج