فهرس الكتاب

الصفحة 5898 من 9788

يعي مدلوله إلا من وقف أمامه يتأمله وهو يضم بين جنباته الصديق والغريب والأخ والحبيب كان عطاء رحمه الله إذا جن عليه الليل خرج إلى المقبرة ثم يقول غدا عطاء في القبور وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إذا نظر إلى القبور بكى ثم قال هذه قبور آبائي كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذتهم وعيشهم أما تراهم صرعى قد حلت بهم المثلات واستحكم فيهم البلى وأصابتهم الهوام في أبدانهم القبر تلك الحفرة الضيقة التي لا أنيس فيها ولا جليس ولا صديق ولا سمير العمل الصالح أنيس العبد في قبره ومزيل وحشته في رممه القبر يضم بين جوانبه جثثا هامدة لا حراك بها ولا نفس في عروقها يضم الأجسام البالية العظام النخرة الأشلاء المبعثرة والأوصال المتقطعة القبر موطن العظماء والحقراء والحكماء والسفهاء ومنزل الصالحين السعداء والطالحين الأشقياء السكون يرفرف على فضائه والرهبة تنتشر بين أجوائه فيه السؤال والمناقشة والتوفيق والتثبيت إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار لو رأيت الميت بعد ثلاثة في قبره لاستوحشت من قربه بعد طول الأنس منك به ولرأيت بيتا تجول فيه الهوام وتخترقه الديدان مع تغير الريح وبلي الأكفان بعد حسن الهيئة وطيب الريح ونقاء الثوب أما داره التي كان بها فقد سكنت وزوجه قد نكحت وأمواله قد قسمت وكلنا حيث صار القوم صائر ولنا فيهم بصائر القبر يعظ الأحياء بصمت ليذكرهم بالمآل الذي لا بد منه فيدفعهم ذلك إلى زيادة الإستعداد ليوم المعاد أخرج الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة نعم هو الدواء لمن قسا قلبه ولزمه ذنبه وطال أمد غفلته فليس الخبر كالعيان وهناك اسأل القبر أين المال والمتاع أين الجمال والسحر أين الصحة والقوة أين المرض والضعف أين القدرة والجبروت أين الخضوع والذلة إنه يضم أجسادا كانت ناعمة منعمة تفوح منها العطور فماذا فعل بها في تلك الحفرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت