يعي مدلوله إلا من وقف أمامه يتأمله وهو يضم بين جنباته الصديق والغريب والأخ والحبيب كان عطاء رحمه الله إذا جن عليه الليل خرج إلى المقبرة ثم يقول غدا عطاء في القبور وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إذا نظر إلى القبور بكى ثم قال هذه قبور آبائي كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذتهم وعيشهم أما تراهم صرعى قد حلت بهم المثلات واستحكم فيهم البلى وأصابتهم الهوام في أبدانهم القبر تلك الحفرة الضيقة التي لا أنيس فيها ولا جليس ولا صديق ولا سمير العمل الصالح أنيس العبد في قبره ومزيل وحشته في رممه القبر يضم بين جوانبه جثثا هامدة لا حراك بها ولا نفس في عروقها يضم الأجسام البالية العظام النخرة الأشلاء المبعثرة والأوصال المتقطعة القبر موطن العظماء والحقراء والحكماء والسفهاء ومنزل الصالحين السعداء والطالحين الأشقياء السكون يرفرف على فضائه والرهبة تنتشر بين أجوائه فيه السؤال والمناقشة والتوفيق والتثبيت إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار لو رأيت الميت بعد ثلاثة في قبره لاستوحشت من قربه بعد طول الأنس منك به ولرأيت بيتا تجول فيه الهوام وتخترقه الديدان مع تغير الريح وبلي الأكفان بعد حسن الهيئة وطيب الريح ونقاء الثوب أما داره التي كان بها فقد سكنت وزوجه قد نكحت وأمواله قد قسمت وكلنا حيث صار القوم صائر ولنا فيهم بصائر القبر يعظ الأحياء بصمت ليذكرهم بالمآل الذي لا بد منه فيدفعهم ذلك إلى زيادة الإستعداد ليوم المعاد أخرج الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة نعم هو الدواء لمن قسا قلبه ولزمه ذنبه وطال أمد غفلته فليس الخبر كالعيان وهناك اسأل القبر أين المال والمتاع أين الجمال والسحر أين الصحة والقوة أين المرض والضعف أين القدرة والجبروت أين الخضوع والذلة إنه يضم أجسادا كانت ناعمة منعمة تفوح منها العطور فماذا فعل بها في تلك الحفرة