فهرس الكتاب

الصفحة 626 من 9788

وقد نبه الإمام الشاطبي الأصولي العظيم إلى أن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها، وعامها المرتب على خاصها، ومطلقها المحمول على مُقيَّدِها ومجملِها المفسر بَيِّنَها إلى ما سوى ذلك من مناحيها ؛ فإذا حصل للناظر من جملتها حكم من الأحكام فذلك الذي نظمت به حين استنبطت، وما مثلها (أي الشريعة) إلا مثل الإنسان الصحيح السوي، فكما أن الإنسان لا يكون إنسانًا حتى يُستنطق فلا ينطق باليد وحدها ولا بالرجل وحدها ولا بالرأس وحده ولا باللسان وحده بل بجملته التي سمي بها إنسانًا، كذلك الشريعة لا يطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها، لامن دليل منها ؛ أي دليل كان ، وإن ظهر لبادي الرأي نُطق ذلك الدليل فإنما هو توهمي لا حقيقي كاليد إذا استنطقت فإنما تنطِق توهمًا لا حقيقة، من حيث عُلِمتْ أنها يد إنسان لا من حيث هي إنسان لأنه مُحال.

فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضًا كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة.

وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليل ما أي دليل كان عفوًا وأخذًا أوليًا، وإن كان ثم ما يعارضه من كُلّي ِأو جزئي فكأن العضو الواحد لا يعطي في مفهوم أحكام الشريعة حكمًا حقيقيًا فمتبعه متبع متشابه ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ كما شهد الله به ( ومن أصدق من الله قيلًا) 8 انتهى كلام الإمام الشاطبي وقد ساق قصة مناقشة عالم من أهل السنة والجماعة للظالم ابن أبي دؤاد بين يدي الواثق وكيف أفحمه العالم بمجموع الأدلة مما لا نذكره لطوله ويمكن مراجعته في المجلد الأول من كتاب الاعتصام الباب الرابع فصل في الانحراف عن الأصول الواضحة.

والظاهرية في التفكير حتى لو رافقت إخلاصًا عند أصحابها فإنما تؤدي إلى طرق مسدودة وتضيقُ واسعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت