إن النص الشرعي لا ينفصل عن المقصد بحال ، وحتى أصحاب المدرسة الفقهية الظاهرية كان المقصد واضحًا عندهم مهما كان طريق وصولهم إليه ، ومن المدهش أن الفقيه العظيم ابن حَزْمٍ الظاهري الذي لولاه لاندثر العلم بالمذهب ؛ ترى وقوفه على المقصد بطريقة لا تشك معها لحظة في علمه وإحاطته الواسعة بمقاصد الشريعة رغم هفوات لا يخلو منها بشر ؛ يقول رحمه الله في كتاب النكاح المسألة: الألف وثمانمائة وخمس عشرة من المجلد التاسع من المحلى تعليقًا على حديثين يردهما: أولهما (خيركم في المائين الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد) والآخر (إذا كانت سنة خمسٍ ومائةٍ فلأن يربي أحدكم جرو كلب خير من أن يربي ولدًا) وهذان الحديثان موضوعان يقول فيهما ابن حزم أنهما موضوعان لأنهما من رواية رواد بن الجراح العسقلاني وهو منكر الحديث لا يحتج به ، ثم يقول (وقد استخدم فقه الدين جملة واحدة) يقول: (وبيان وضعهما أنه لو استعمل الناس ما فيهمنا من ترك النسل لَبَطَلَ الإسلام والجهاد والدين وغلبَ أهلُ الكفر...) فرحم الله ابن حزم ما أفقهه! حيث بيَّنَ أن الخبرين مع علة صاحبيهما ينسفان نسفًا مقاصد شرعية ثابتة لا محل للجدال فيها ، ولو كان الخبران بين يدي متعالم ظاهري لغاص معك في جدالٍ لا ينتهي في الأسانيد دون أن تخطر له نكارة المتن. صاحب الفقه ولو كان ظاهريًا لا يُغفل النص ولا المقصد ؛ يبحث في السند والمتن معًا أما من يفكر بشكل ظاهري أي من دون فقه وقواعد وأصول فحدث ما شئت عن عجائب وغرائب يخرج بها.
من مهمات المربي والفقيه والعالم الأساسية أن يطرح الحكم الشرعي نصلً وروحًا عبارة ومقصِدا .ً.. الظاهرية في التفكير تميت القلب وتزيد التشرذم وتضيق سعة الشريعة ، أما الباطنية في التفكير فهي تنسف الشريعة وتقوض الالتزام وتمهد الطريق لكل أفكار التغريب والتخريب.