التأريخ العام وتتبع آيات الله في الآفاق وتدبر أحوال الأمم كيف تقوم وكيف تفنى ، كيف تكون ذات عز يطاول الثريا رفعة وثناء ، حتى سرى في جسدها داء التواكل ، ودب في نفوس بنيها دبيب التخاذل ، فتنحدر إلى الهاوية انحدار جلمود صخر حطه السيل من عل إن التطواف المتمحص هنا وهناك يعود بثروة طائلة من العبر والعظات ، تزيد العبد معرفة بربه ، ويقينا بقدرته وعظمته ، وأن من يعش يكبر ، ومن يكبر يمت ، والمنايا لا تبالي ما أتت ، وكل اجتماع فإلى افتراق ، والدهر ذو فتح وذو إغلاق ، وكم من أمة سوف يكون غيرها ، وسوف يفنى شرها وخيرها وإلا فأين ثمود الذين جابوا الصخر بالواد ؟ وأين فرعون ذو الأتاد الذين طغوا في البلاد ؟ أين عاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد ؟ أين أبرهة ؟ أين قارون ؟ أين الأكاسرة ؟ وأين القياصرة ؟ أين الجبابرة والصناديد الأبطال ؟ طوتهم الأرض بعد حين ، فافترشوا التراب والتحفوا الثرى ، وأصبحوا خبرا بعد عين ، وأثرا بعد ذات ألا وكأننا في هذا البيت المبارك نتذكر إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام يرفعان القواعد من البيت ، وكأننا برسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل البيت الحرام تعلوه السكينة وهو يردد {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا الإسراء ألا فاعلموا عباد الله أن الزمان سيدور دورته وأنه سيأتي على هذا البيت العتيق الشامخ زمان يقتلع بناؤه حجرا حجرا يصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة كأني به أسود أفحج يقلعها حجرا حجرا رواه البخاري ففي هذا الحديث عباد الله إيذان بانتهاء الحياة الفانية والوقوف أمام فاطر السموات والأرض جميعا حفاة عراة غرلا ما منا أحد إلا وسيكلمه ربه كفاحا دون ترجمان لا يستثنى منا صغير ولا كبير ولا أمير ولا وزير ولا حر ولا عبد ولا ظالم ولا مظلوم نعم سنقف جميعا ورب الكعبة } ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة