صـ 134
فلماذا لا يحكي الخلاف أيضًا فيما له إسنادان فأكثر ؟! بل ما باله لا يحكي إلا اختلافهم في صحَّة الحديث و حسنه ؟ ألم يكن من باب الأولى ـ إذا كان ذلك من شأنه ـ أن يحكي اختلافهم في صحة الحديث و ضعفه ، أو في حُسن الحديث و ضعفه ؟! فما رأيناه مرةً يقول:"صحيحٌ ضعيفٌ"، و لا"حسنٌ ضعيفٌ".
بل من عادةِ الترمذي أنه يسوقُ أقوال السابقين عليه صريحةً من دون اختصار ، فضلًا عن مثل هذا الاختصار المُوهم ، بل كثيرًا ما يسوق أقوال أهل العلم مُسندةً إليهم .
الثالث: لازم هذا ، أن يكون الترمذي ـ على إمامته ـ لم يترجح عنده الصواب في كثير من أحاديث كتابه ؛ لأنَّه يُكثر من الجمع بين هذين الوصفين في كتابه ، و هذا من أبعد ما يكون .
الرابع: أنه لو أراد ذلك لأتى بـ"الواو"التي للجمع ، فيقول:"حسنٌ و صحيحٌ"، أو أتى بـ"أو"التي للتخيير أو التردد ، فيقول:"حسنٌ أو صحيحٌ".
الخامس: أن لازم هذا أن يكون ما قال فيه:"حسنٌ صحيحٌ"دون ما قال فيه:"صحيح"فقط ؛ لأن الجزم أقوى من التردد .
و هذا ـ كما ترى ـ فيه ما فيه ؛ لأن الترمذي يُكثرُ في كتابه من الجمع بين هذين الوصفين ، و لا يُفردُ الوصف بالصحيح إلا نادرًا ، فعلى هذا تكون الأحاديث الصحيحةُ المتفق على صحتها في كتابه قليلةً ، مع أنَّ غالبها مما اتفق على صحتها الشيخان ، و تلقاها الناس بالقبول .