أو إنما يتنوع الكلام إلى هذه الأنواع فيما لا يزال عند وجود من تتعلق به فيكون التنوع حادثا مع قدم المشترك بين تلك الأنواع لأنها ليست أنواعا حقيقية.
وقال الأشاعرة والماتريدية في تعريفه: إنه تعالى متكلم بكلام أزلي باق أبدي قديم قائم بذاته لا يفارقها مناف للسكوت والآفة ليس بحرف ولا صوت هو به تعالى طالب لفعل أو ترك مخبر لعباده بما كان وبما يكون بالنسبة إلى وقت وجودهم، وثبوته بالسمع دون العقل، ولم يرد السمع بالتعدد بل انعقد الإجماع على نفي كلام ثان قديم، ولم يمتنع التكلم بالأمر والنهي والخبر وغيرها بكلام واحدن، فقالوا إنه واحد يتعلق بجميع المتعلقات كما في سائر الصفات وإن كانت العقول قاصرة عن إدراك كنه هذا المعنى.
واحتجوا على إثباته في الشاهد بأن الآمر والناهي يجد في نفسه حالة أمره ونهيه طلبا جازما بالضرورة ويدل عليه بالعبارات المختلفة، وما يعرض له الاختلاف مغاير لما لا يعرض له الاختلاف، ولأن العبارات بالجعل والمواضعة والتوقيف، وما في النفس حقيقة عقلية ليست بالجعل والتوقيف.
وإذا ثبت أن لنا قولا نفسيا فتسميته كلاما مأخوذة من موارد اللغة قال الله سبحانه وتعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ} [المجادلة: 8] وقال تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] ، لم يكذبهم بالنسبة إلى القول بألسنتهم وإنما كذبهم بالنسبة إلى ما تجنه قلوبهم والتكذيب مختص بالكلام.
وقال أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه مخبرا عن يوم السقيفة: (زورت في نفسي كلاما) ، وقال الشاعر:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
وإطلاق السلف على كلام الله تعالى أنه محفوظ في الصدور ومقروء بالألسنة ومكتوب في المصاحف لا يصح حمله على الحلول لاستحالته، وإنما لما كانت هذه الأشياء