عثمان والبراءة منه والأمر باقصائهم وإخراجهم من العسكر لتمالئهم وتظظافرهم وخوفه من إفساد الأمر عليه والقدح فيه، ولا يلتحم ولا يلتئم ولا يمكنه التصويب لقتل عثمان وإظهار الرضا به، لعلمه بأنه قتل مظلوما وتبريه من قتله، وانه لو قال ذلكاشتد نفور الناس عنه وكوشف واعتقد بذلك الضلال وظن السامعون أنه رأيه في عثمان، وهو بريء من ذلك.
وكان إذا سئل عنه أورد الكلام المحتمل وتغلغل إلى لطيف التأويل والرفق بالفريقين، وكانوا إذا سمعوا منه الكلام المحتمل ورأوا قتلته مختلطين بعسكره ظنوا أنه مؤثر لما جرى وأنه متمكن من إقامة الحد وأخذ القصاص لأوليائه وأنه متحيف لهم، وإن كان بريئا من ذلك، فيصير ظاهر اختلاط القوم بعسكره وما يسمع من محتملات أقاويله طريقا لاجتهاد المحارب المطالب له بدم عثمان والقاعد عنه لموضع ظنهم به ما هو بعيد عنه، فلا يبعد أن يكون المحارب له والقاعد عنه مصيبا فيما فعله لأجل هذه الشبهة، فيزول الإثم عمن قصد هذا المقصد، ولم يطلب بقتاله وقعوده عنه الخذلان للإمامة والفتنة والتهاون بالقصة وحب النهب والغارة وأخذ ما ليس له.
وقد روي أن عليا رضي الله تعالى عنه قال بالبصرة: (والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله، ولكن الله قتل عثمان وأنا معه) وهذا محتمل، فظن قوم أنه خدعهم وأنه قد أخبر عن نفسه أنه قتله بقوله: (وأنا معه) وليس ذلك كذلك، لأنه أراد به أنه أماته ويميتني معه لأنه قد حلف وهو الصادق أنه ما قتله ولا مالأ على قتله.
وروي أنه سئل عن قتل عثمان مرة فقال: (والله ما ساءني ذلك ولا سرني) فصار هذا طريقا لتأويل الفريقين عليه غير الحق، وهو إنما أراد بقوله: (ما ساءني) مطالبة من يطلب بدمه واجتهاده في ذلك لطلبه له من بابه ووجهه (ولا سرني) قتل من قتله وكيف يسره ذلك ولا يسوءه، وهو يقول: (اللهم العن قتلة عثمان في البر والبحر) فيقول التأويل عليه أراد بقوله: (اللهم العنهم) إن كانوا مستحقين للعن وكان عثمان غير مستحق للقتل، ليرضى العامة بذلك، وإلا فهو الذي سبب قتله وألب عليه، وكان ذلك من غرضه لظلم عثمان وغصبه الأمر.