فهرس الكتاب

الصفحة 1013 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ(58)}

وَالْقَرْيَةُ الَّتِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَدْخُلُوهَا، فَيَأْكُلُوا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شَاءُوا فِيمَا ذُكِرَ لَنَا: بَيْتُ الْمَقْدِسِ

وقَالَ ابْنَ زَيْدٍ: هِيَ أَرِيحَا، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ""

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا}

يَعْنِي بِذَلِكَ: فَكُلُوا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ حَيْثُ شِئْتُمْ عَيْشًا هَنِيًّا وَاسِعًا بِغَيْرِ حِسَابٍ.

وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرَّغَدِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا، وَذَكَرْنَا أَقْوَالَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا}

أَمَّا الْبَابُ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوهُ، فَإِنَّهُ قِيلَ: هُوَ بَابُ الْحِطَّةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {سُجَّدًا}

فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَتَأَوَّلُهُ بِمَعْنَى الرُّكَّعِ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رُكَّعًا مِنْ بَابٍ صَغِيرٍ""

وَأَصْلُ السُّجُودِ: الِانْحِنَاءُ لِمَنْ سَجَدَ لَهُ مُعَظِّمًا بِذَلِكَ فَكُلُّ مُنْحَنٍ لِشَيْءٍ تَعْظِيمًا لَهُ فَهُوَ سَاجِدٌ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

بِجَمْعٍ تَضِلُّ الْبُلْقُ فِي حَجَرَاتِهِ ... تَرَى الْأَكَمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ

يَعْنِي بِقَوْلِهِ: سُجَّدًا: خَاشِعَةً خَاضِعَةً. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:

يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الْمَلِي ... كِ طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤَارَا

فَذَلِكَ تَأْوِيلُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: {سُجَّدًا}

رُكَّعًا، لِأَنَّ الرَّاكِعَ مُنْحَنٍ، وَإِنْ كَانَ السَّاجِدُ أَشَدَّ انْحِنَاءً مِنْهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُولُوا حِطَّةٌ}

وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {حِطَّةٌ}

فِعْلَةٌ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: حَطَّ اللَّهُ عَنْكَ خَطَايَاكَ فَهُوَ يَحُطُّهَا حِطَّةٌ، بِمَنْزِلَةِ الرِّدَّةِ وَالْحِدَّةِ وَالْمِدَّةِ مِنْ رَدَدْتُ وَحَدَدْتُ وَمَدَدْتُ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ

قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: «أَيِ احْطُطْ عَنَّا خَطَايَانَا»

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. كَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَهُ: قُولُوا الَّذِي يَحُطُّ عَنْكُمْ خَطَايَاكُمْ، وَهُوَ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

وَقَالَ آخَرُونَ: الْقَوْلَ الَّذِي أُمِرُوا بِقِيلِهِ الِاسْتِغْفَارَ

وَقَالَ آخَرُونَ: الْقَوْلَ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوهُ هُوَ أَنْ يَقُولُوا هَذَا الْأَمْرُ حَقٌّ كَمَا قِيلَ لَكُمْ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {نَغْفِرْ لَكُمْ}

يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {نَغْفِرْ لَكُمْ}

نَتَغَمَّدُ لَكُمْ بِالرَّحْمَةِ خَطَايَاكُمْ وَنَسْتُرُهَا عَلَيْكُمْ، فَلَا نَفْضَحْكُمْ بِالْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا. وَأَصْلُ الْغَفْرِ: التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ، فَكُلُّ سَاتِرٍ شَيْئًا فَهُوَ غَافِرُهُ وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْبَيْضَةِ مِنَ الْحَدِيدِ الَّتِي تُتَّخَذُ جُنَّةً لِلرَّأْسِ مِغْفَرٌ، لِأَنَّهَا تُغَطِّي الرَّأْسَ وَتُجِنُّهُ، وَمِثْلُهُ غَمْدُ السَّيْفِ، وَهُوَ مَا يَغْمِدُهُ فَيُوارِيهِ؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ لِزِئْبَرِ الثَّوْبِ عُفْرَةٌ، لِتَغْطِيَتِهِ الثَّوْبَ، وَحَوْلِهِ بَيْنَ النَّاظِرِ وَالنَّظَرِ إِلَيْهَا.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {خَطَايَاكُمْ}

وَالْخَطَايَا جَمْعُ خَطِيَّةٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ كَمَا الْمَطَايَا جَمْعُ مَطِيَّةٍ، وَالْحَشَايَا جَمْعُ حَشِيَّةٍ.

وَإِنَّمَا تَرَكَ جَمْعَ الْخَطَايَا بِالْهَمْزِ، لِأَنَّ تَرْكَ الْهَمْزِ فِي خَطِيئَةٍ أَكْثَرُ مِنَ الْهَمْزِ، فَجُمِعَ عَلَى خَطَايَا، عَلَى أَنَّ وَاحِدَتَهَا غَيْرُ مَهْمُوزَةٍ.

وَلَوْ كَانَتِ الْخَطَايَا مَجْمُوعَةً عَلَى خَطِيئَةٍ بِالْهَمْزِ لَقِيلَ خَطَائِي عَلَى مِثْلِ قَبِيلَةٍ وَقَبَائِلَ، وَصَحِيفَةٍ وَصَحَائِفَ.

وَقَدْ تُجْمَعُ خَطِيئَةٌ بِالتَّاءِ فَيُهْمَزُ فَيُقَالُ خَطِيئَاتٍ، وَالْخَطِيئَةُ فَعِيلَةٌ مِنْ خَطِئَ الرَّجُلُ يَخْطَأُ خِطْأً، وَذَلِكَ إِذَا عَدَلَ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

وَإِنَّ مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَاهُ ... لَعَمْرُ اللَّهِ قَدْ خَطِئَا وَخَابَا

يَعْنِي أَضَلَّا الْحَقَّ وَأَثِمَا.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}

وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ لَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُحْسِنًا زَيْدَ فِي إِحْسَانِهِ، وَمَنْ كَانَ مُخْطِئًا نَغْفِرْ لَهُ خَطِيئَتَهُ"فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ مُبَاحًا لَكُمْ كُلُّ مَا فِيهَا مِنَ الطَّيِّبَاتِ، مُوَسَّعًا عَلَيْكُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا، وَقُولُوا: سُجُودُنَا هَذَا لِلَّهِ حِطَّةٌ مِنْ رَبِّنَا لِذُنُوبِنَا يَحُطُّ بِهِ آثَامَنَا، نَتَغَمَّدُ لَكُمْ ذُنُوبَ الْمُذْنِبِ مِنْكُمْ فَنَسْتُرُهَا عَلَيْهِ، وَنَحُطُّ أَوْزَارَهُ عَنْهُ، وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ مِنْكُمْ إِلَى إِحْسَانِنَا السَّالِفِ عِنْدَهُ إِحْسَانًا."

ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ عَظِيمِ جَهَالَتِهِمْ، وَسُوءِ طَاعَتِهِمْ رَبَّهُمْ وَعِصْيَانِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمْ وَاسْتِهْزَائِهِمْ بِرُسُلِهِ، مَعَ عَظِيمِ آلَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَهُمْ، وَعَجَائِبِ مَا أَرَاهُمْ مِنْ آيَاتِهِ وَعِبَرِهِ، مُوَبِّخًا بِذَلِكَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذِهِ الْآيَاتِ، وَمُعَلِّمَهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ تَعَدُّوا فِي تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجُحُودِهِمْ نُبُوَّتِهِ مَعَ عَظِيمِ إِحْسَانِ اللَّهِ بِمَبْعَثِهِ فِيهِمْ إِلَيْهِمْ، وَعَجَائِبِ مَا أَظْهَرَ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْحُجَجِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، أَنْ يَكُونُوا كَأَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ.

وَقَصَّ عَلَيْنَا أَنْبَاءَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ}

الْآيَةُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت