الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}
وَالشُّهَدَاءُ جَمْعُ شَهِيدٍ.
فَمَعْنَى ذَلِكَ: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا عُدُولًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ لِأَنْبِيَائِي وَرُسُلِي عَلَى أُمَمِهَا بِالْبَلَاغِ أَنَّهَا قَدْ بَلَّغَتْ مَا أُمِرَتْ بِبَلَاغِهِ مِنْ رِسَالَاتِي إِلَى أُمَمِهَا، وَيَكُونُ رَسُولِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ بِإِيمَانِكُمْ بِهِ، وَبِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي.
عَنْ حَبَّانَ بْنِ أَبِي جَبَلَةَ، بِسَنَدِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"إِذَا جَمَعَ اللَّهُ عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَدْعَى إِسْرَافِيلُ، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: مَا فَعَلْتَ فِي عَهْدِي هَلْ بَلَّغْتَ عَهْدِي؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ رَبِّ قَدْ بِلَّغْتُهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَيُدْعَى جِبْرِيلُ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ إِسْرَافِيلَ عَهْدِي؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ رَبِّ قَدْ بَلَّغَنِي. فَيُخَلَّى عَنْ إِسْرَافِيلَ، وَيُقَالُ لِجِبْرِيلَ: هَلْ بَلَّغْتَ عَهْدِي؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، قَدْ بَلَّغْتُ الرُّسُلَ فَتُدْعَى الرُّسُلُ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ بَلَّغَكُمْ جِبْرِيلُ عَهْدِي"فَيَقُولُونَ: نَعَمْ رَبَّنَا، فَيُخَلَّى عَنْ جِبْرِيلَ، ثُمَّ يُقَالُ لِلرُّسُلِ: مَا فَعَلْتُمْ بِعَهْدِي؟ فَيَقُولُ: بَلَّغْنَا أُمَمَنَا. فَتُدْعَى الْأُمَمُ فَيُقَالُ: هَلْ بَلَّغَكُمُ الرُّسُلُ عَهْدِي؟ فَمِنْهُمُ الْمُكَذِّبُ وَمِنْهُمُ الْمُصَدِّقُ، فَتَقُولُ الرُّسُلُ: إِنَّ لَنَا عَلَيْهِمْ شُهُودًا يَشْهَدُونَ أَنْ قَدْ بَلَّغْنَا مَعَ شَهَادَتِكَ. فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكُمْ؟ فَيَقُولُ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ. فَتُدْعَى أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُ: أَتَشْهَدُونَ أَنَّ رُسُلِيَ هَؤُلَاءِ قَدْ بَلَّغُوا عَهْدِي إِلَى مَنْ أُرْسِلُوا إِلَيْهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ رَبَّنَا، شَهِدْنَا أَنْ قَدْ بَلَّغُوا، فَتَقُولُ تِلْكَ الْأُمَمُ: كَيْفَ يَشْهَدُ عَلَيْنَا مَنْ لَمْ يُدْرِكْنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: كَيْفَ يَشْهَدُونَ عَلَى مَنْ لَمْ يُدْرِكُوا؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا بَعَثْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا، وَأَنْزَلْتَ إِلَيْنَا عَهْدَكَ وَكِتَابَكَ، وَقَصَصْتَ عَلَيْنَا أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا، فَشَهِدْنَا بِمَا عَهِدْتَ إِلَيْنَا. فَيَقُولُ الرَّبُّ: صَدَقُوا فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}
وَالْوَسَطُ: الْعَدْلُ {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}
«قَالَ ابْنُ أَنْعَمَ، فَبَلَغَنِي أَنَّهُ يَشْهَدُ يَوْمَئِذٍ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ حِنَةٌ عَلَى أَخِيهِ»
قَوْلِهِ: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}
يَعْنِي بِإِيمَانِهِمْ بِهِ، وَبِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ.