فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 6201

وَقَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)}

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُهُ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ}

أَيْ: وَأَنْتَ مُقِيمٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ. قَالَ: وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُقِيمٌ بِمَكَّةَ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، فَاسْتَغْفَرَ مَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْزَلَ بَعْدَ خُرُوجِهِ عَلَيْهِ حِينَ اسْتَغْفَرَ أُولَئِكَ بِهَا: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}

قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ أُولَئِكَ الْبَقِيَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَيْنِهِمْ، فَعَذَّبَ الْكُفَّارَ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَا كَانَ اللَّهُ لَيُعَذِّبَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ وَأَنْتَ فِيهِمْ يَا مُحَمَّدُ، حَتَّى أُخْرِجَكَ مِنْ بَيْنِهِمْ.

{وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ} وَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: يَا رَبِّ غُفْرَانَكَ وَمَا أَشْبَهُ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي الِاسْتِغْفَارِ بِالْقَوْلِ. قَالُوا: وَقَوْلُهُ: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ}

فِي الْآخِرَةِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ يَا مُحَمَّدُ، وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، أَيْ: لَوِ اسْتَغْفَرُوا. قَالُوا: وَلَمْ يَكُونُوا يَسْتَغْفِرُونَ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِذْ لَمْ يَكُونُوا يَسْتَغْفِرُونَ: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يُسْلِمُونَ. قَالُوا: وَاسْتِغْفَارُهُمْ كَانَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِسْلَامَهُمْ

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَفِيهِمْ مَنْ قَدْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَا كَانَ اللَّهُ لَيُعَذِّبَ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. قَالُوا: ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} .

وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: تَأْوِيلُهُ: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ يَا مُحَمَّدُ وَبَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مُقِيمٌ، حَتَّى أُخْرِجَكَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ؛ لِأَنِّي لَا أُهْلِكُ قَرْيَةً وَفِيهَا نَبِيُّهَا. وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَغْفِرُونَ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ هُمْ مُصِرُّونَ عَلَيْهِ، فَهُمْ لِلْعَذَابِ مُسْتَحِقُّونَ، كَمَا يُقَالُ: مَا كُنْتُ لِأُحْسِنَ إِلَيْكَ وَأَنْتَ تُسِيءُ إِلَيَّ، يُرَادُ بِذَلِكَ: لَا أُحْسِنُ إِلَيْكَ إِذَا أَسَأْتَ إِلَيَّ وَلَوْ أَسَأْتَ إِلَيَّ لَمْ أُحْسِنْ إِلَيْكَ، وَلَكِنْ أُحْسِنُ إِلَيْكَ لِأَنَّكَ لَا تُسِيءُ إِلَيَّ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ. ثُمَّ قِيلَ: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}

بِمَعْنَى: وَمَا شَأْنُهُمْ وَمَا يَمْنَعُهُمْ أَنْ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ لَا يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ مِنْ كُفْرِهِمْ فَيُؤْمِنُوا بِهِ، وَهُمْ يَصُدُّونَ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.

وَإِنَّمَا قُلْنَا: هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ أَعني مُشْرِكِي مَكَّةَ كَانُوا اسْتَعْجَلُوا الْعَذَابَ، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ هُوَ الْحَقَّ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: مَا كُنْتُ لِأُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كُنْتُ لِأُعَذِّبَهُمْ لَوِ اسْتَغْفَرُوا، وَكَيْفَ لَا أُعَذِّبُهُمْ بَعْدَ إِخْرَاجِكَ مِنْهُمْ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَأَعْلَمَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الَّذِينَ اسْتَعْجَلُوا الْعَذَابَ حَائِقٌ بِهِمْ وَنَازِلٌ، وَأَعْلَمَهُمْ حَالَ نُزُولِهِ بِهِمْ، وَذَلِكَ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ إِيَّاهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ. وَلَا وَجْهَ لِإِيعَادِهِمُ الْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ، وَهُمْ مُسْتَعْجِلُوهُ فِي الْعَاجِلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَى الْعَذَابِ صَائِرُونَ، بَلْ فِي تَعْجِيلِ اللَّهِ لَهُمْ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ مَا قُلْنَا.

وَكَذَلِكَ لَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ وَجَّهَ قَوْلَهُ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} إِلَى أَنَّهُ عَنَى بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ وَعَمَّا اللَّهُ فَاعِلٌ بِهِمْ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ عَنْهُمْ قَدْ تَقَضَّى، وَعَلَى أَنَّ ذَلِكَ بِهِ عَنَوْا، وَلَا خِلَافَ فِي تَأْوِيلِهِ مِنْ أَهْلِهِ مَوْجُودٌ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: ذَلِكَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}

الْآيَةَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}

خَبَرٌ، وَالْخَبَرُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَسْخٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ النَّسْخُ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت