فهرس الكتاب

الصفحة 3873 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196) }

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ أَتِمُّوا الْحَجَّ بِمَنَاسِكِهِ، وَسُنَنِهِ، وَأَتِمُّوا الْعُمْرَةَ بِحُدُودِهَا، وَسُنَنِهَا.

وَقَالَ آخَرُونَ: تَمَامُهُمَا أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مُفْرَدَيْنِ مِنْ دُوَيْرِةِ أَهْلِكَ.

وَقَالَ آخَرُونَ: تَمَامُ الْعُمْرَةِ أَنْ تَعْمَلَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَتَمَامُ الْحَجِّ أَنْ يُؤْتَى بِمَنَاسِكِهِ كُلِّهَا حَتَّى لَا يَلْزَمَ عَامِلَهُ دَمٌ بِسَبَبِ قِرَانٍ وَلَا مُتْعَةٍ.

وَقَالَ آخَرُونَ: إتَمَامُهُمَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكِ لَا تُرِيدُ غَيْرَهُمَا.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ إِذَا دَخَلْتُمْ فِيهِمَا.

فَتَأْوِيلُ هَؤُلَاءِ فِي قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}

أَنَّهُمَا فَرْضَانِ وَاجِبَانِ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَمَرَ بِإِقَامَتِهِمَا، كَمَا أَمَرَ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُمَا فَرِيضَتَانِ، وَأَوْجَبَ الْعُمْرَةَ وُجُوبَ الْحَجِّ. وَهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْخَالِفِينَ كَرِهْنَا تَطْوِيلَ الْكِتَابِ بِذِكْرِهِمْ، وَذِكْرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُمْ. وَقَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}

وَأَقِيمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: «وَأَقِيمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إِلَى الْبَيْتِ» ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ «وَاللَّهِ لَوْلَا التَّحَرُّجُ وَأَنِّي لَمْ أَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا شَيْئًا، لَقُلْتُ إِنَّ الْعُمْرَةَ وَاجِبَةٌ مِثْلُ الْحَجِّ» وَكَأَنَّهُمْ عَنُوا بِقَوْلِهِ: أَقِيمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ: ائْتُوا بِهِمَا بِحُدُودِهِمَا وَأَحْكَامِهِمَا عَلَى مَا فُرِضَ عَلَيْكُمْ.

وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَرَأَ قِرَاءَةَ هَؤُلَاءِ بِنَصْبِ الْعُمْرَةِ: الْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ. وَرَأَوْا أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ عَلَى وُجُوبِهَا فِي نَصْبِهِمُ الْعُمْرَةَ فِي الْقِرَاءَةِ، إِذْ كَانَ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا قَدْ يَلْزَمُ الْعَبْدَ عَمَلُهُ وَإِتْمَامُهُ بِدُخُولِهِ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنِ ابْتِدَاءُ الدُّخُولِ فِيهِ فَرْضًا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كَالْحَجِّ التَّطَوُّعِ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا أَحْرَمَ بِهِ أَنَّ عَلَيْهِ الْمُضِيَّ فِيهِ، وَإتَمَامَهُ وَلَمْ يَكُنْ فَرْضًا عَلَيْهِ ابْتِدَاءُ الدُّخُولِ فِيهِ.

وَقَالُوا: فَكَذَلِكَ الْعُمْرَةُ غَيْرُ فَرْضٍ وَاجِبُ الدُّخُولِ فِيهَا ابْتِدَاءً، غَيْرَ أَنَّ عَلَى مَنْ دَخَلَ فِيهَا وَأَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ إِتَمَامُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا. قَالُوا: فَلَيْسَ فِي أَمْرِ اللَّهِ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ فَرْضِهَا.

قَالُوا: وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا فَرْضَ الْحَجِّ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}

وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْخَالِفِينَ.

عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ «الْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» فَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ بِرَفْعِ الْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَا وَجْهَ لِنَصْبِهَا، فَالْعُمْرَةُ إِنَّمَا هِيَ زِيَارَةُ الْبَيْتِ، وَلَا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا اسْمَ مُعْتَمِرٍ إِلَّا وَهُوَ لَهُ زَائِرٌ؛ قَالُوا: وَإِذَا كَانَ لَا يَسْتَحِقُّ اسْمَ مُعْتَمِرٍ إِلَّا بِزِيَارَتِهِ، وَهُوَ مَتَى

بَلَغَهُ فَطَافَ بِهِ وَبِالصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، فَلَا عَمَلَ يَبْقَى بَعْدَهُ يُؤْمَرُ بِإِتْمَامِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا يُؤْمَرُ بِإِتْمَامِهِ الْحَاجُّ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَالطَّوَافِ بِهِ وَبِالصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ بِإِتْيَانِ عَرَفَةَ، وَالْمُزْدَلِفَةِ، وَالْوُقُوفِ بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي أُمِرَ بِالْوقُوفِ بِهَا وَعَمِلَ سَائِرِ أَعْمَالِ الْحَجِّ الَّذِي هُوَ مِنْ تَمَامِهِ بَعْدَ إِتْيَانِ الْبَيْتِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِ الْقَائِلِ لِلْمُعْتَمِرِ أَتِمَّ عُمْرَتَكَ وَجْهٌ مَفْهُومٌ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَجْهٌ مَفْهُومٌ.

فَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي الْعُمْرَةِ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ لِلَّهِ، فَتَكُونُ مَرْفُوعَةً بِخَبَرِهَا الَّذِي بَعْدَهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: لِلَّهِ.

وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِنَصْبِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْعَطْفِ بِهَا عَلَى الْحَجِّ، بِمَعْنَى الْأَمْرِ بِإِتْمَامِهِمَا لَهُ. وَلَا مَعْنَى لِاعْتِلَالِ مَنِ اعْتَلَّ فِي رَفْعِهَا بِأَنَّ الْعُمْرَةَ زِيَارَةُ الْبَيْتِ، فَإِنَّ الْمُعْتَمِرَ مَتَى بَلَغَهُ، فَلَا عَمَلَ بَقِيَ عَلَيْهِ يُؤْمَرُ بِإِتْمَامِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا بَلَغَ الْبَيْتَ فَقَدِ انْقَضَتْ زِيَارَتُهُ وَبَقِيَ عَلَيْهِ تَمَامُ الْعَمَلِ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فِي اعْتِمَارِهِ، وَزِيَارَتِهِ الْبَيْتَ؛ وَذَلِكَ هُوَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَالسَّعْي بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، وَتَجَنُّبُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِتَجَنُّبِهِ إِلَى إِتْمَامِهِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ عَمَلٌ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَزِمَهُ بِإِيجَابِ الزِّيَارَةِ عَلَى نَفْسِهِ غَيْرَ الزِّيَارَةِ. هَذَا مَعَ إِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى قِرَاءَةِ الْعُمْرَةِ بِالنَّصْبِ، وَمُخَالَفَةِ جَمِيعِ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ رَفْعًا، فَفِي ذَلِكَ مُسْتَغْنًى عَنِ الِاسْتِشْهَادِ عَلَى خَطَأِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ رَفْعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت