الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا}
وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَيُّهَا الرِّجَالُ أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ نِسَائِكُمْ إِذَا أَنْتُمْ أَرَدْتُمْ طَلَاقَهُنَّ بِطَلَاقِكُمْ وَفِرَاقِكُمْ إِيَّاهُنَّ شَيْئًا مِمَّا أَعْطَيْتُمُوهُنَّ مِنَ الصَّدَاقِ، وَسُقْتُمْ إِلَيْهِنَّ، بَلِ الْوَاجِبُ عَلَيْكُمْ تَسْرِيحُهُنَّ بِإِحْسَانٍ، وَذَلِكَ إِيفَاؤُهُنَّ حُقُوقَهُنَّ مِنَ الصَّدَاقِ، وَالْمُتْعَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ:" {إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} "
وَذَلِكَ قِرَاءَةُ عُظْمِ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَالْبَصْرَةِ بِمَعْنَى إِلَّا أَنْ يَخَافَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ،
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «إِلَّا أَنْ يَظُنَّا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ»
وَالْعَرَبُ قَدْ تَضَعُ الظَّنَّ مَوْضِعَ الْخَوْفِ وَالْخَوْفَ مَوْضِعَ الظَّنِّ فِي كَلَامِهَا لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
أَتَانِي كَلَامٌ عَنْ نُصَيْبٍ يَقُولُهُ ... وَمَا خِفْتُ يَا سَلَّامُ أَنَّكَ عَائِبِي
بِمَعْنَى: مَا ظَنَنْتُ.
وَقَرَأَهُ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْكُوفَةِ: (إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) فَأَمَّا قَارِئُ ذَلِكَ كَذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَإِنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَرَأَهُ كَذَلِكَ اعْتِبَارًا مِنْهُ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَذُكِرَ أَنَّهُ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «إِلَّا أَنْ تَخَافُوا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ» وَقِرَاءَةُ ذَلِكَ كَذَلِكَ اعْتِبَارًا بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّتِي ذُكِرَتْ عَنْهُ خَطَأً؛ وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ، إِنْ كَانَ قَرَأَهُ كَمَا ذُكِرَ عَنْهُ، فَإِنَّمَا أَعْمَلَ الْخَوْفَ فِي «أَنْ» وَحْدَهَا، وَذَلِكَ غَيْرُ مَدْفُوعَةٍ صِحَّتُهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
إِذَا مِتُّ فَادْفِنِّي إِلَى جَنْبِ كَرْمَةْ ... تُرَوِّي عِظَامِي بَعْدَ مَوْتِي عُرُوقُهَا
وَلَا تَدْفِنَنِي بِالْفَلَاةِ فَإِنَّنِي ... أَخَافُ إِذَا مَا مِتُّ أَنْ لَا أَذُوقُهَا
فَأَمَّا قَارِئُهُ (إِلَّا أَنْ يَخَافَا) بِذَلِكَ الْمَعْنَى، فَقَدْ أَعْمَلَ فِي مَتْرُوكَةٍ تَسْمِيَتُهُ وَفِي «أَنْ» فَأَعْمَلَهُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الْمَتْرُوكُ الَّذِي هُوَ اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَفِي أَنِ الَّتِيَ تَنُوبُ عَنْ شَيْئَيْنِ، وَلَا تَقُولُ الْعَرَبُ فِي كَلَامِهَا ظُنَّا أَنْ يَقُومَا، لَكِنَّ قِرَاءَةَ ذَلِكَ كَذَلِكَ صَحِيحَةٌ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي قَرَأَهُ مَنْ ذَكَرْنَا قِرَاءَتَهُ كَذَلِكَ اعْتِبَارًا بِقِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي وَصَفْنَا، وَلَكِنْ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ. إِلَّا أَنْ يَخَافَ بِأَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، أَوْ عَلَى أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، فَيَكُونُ الْعَامِلُ فِي أَنْ غَيْرَ الْخَوْفِ، وَيَكُونُ الْخَوْفُ عَامِلًا فِيمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَنَا فِي الْقِرَاءَةِ لِدَلَالَةِ مَا بَعْدَهُ عَلَى صِحَّتِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ}
فَكَانَ بَيِّنًا أَنَّ الْأَوَّلَ بِمَعْنَى: إِلَّا أَنْ تَخَافُوا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَأَيَّةُ حَالٍ الْحَالُ الَّتِي يَخَافُ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ حَتَّى يَجُوزَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ حِينَئِذٍ مِنْهَا مَا آتَاهَا؟
قِيلَ: حَالُ نُشُوزِهَا وَإِظْهَارُهَا لَهُ بُغْضَتُهُ، حَتَّى يَخَافَ عَلَيْهَا تَرْكَ طَاعَةِ اللَّهِ فِيمَا لَزِمَهَا لِزَوْجِهَا مِنَ الْحَقِّ، وَيَخَافَ عَلَى زَوْجِهَا بِتَقْصِيرِهَا فِي أَدَاءِ حُقُوقِهِ الَّتِي أَلْزَمَهَا اللَّهُ لَهُ تَرْكَهُ أَدَاءِ الْوَاجِبِ لَهَا عَلَيْهِ، فَذَلِكَ حِينَ الْخَوْفِ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَيُطِيعَاهُ فِيمَا أَلْزَمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَالْحَالُ الَّتِي أَبَاحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ أَخْذَ مَا كَانَ أَتَى زَوْجَتُهُ إِذْ نَشَزَتْ عَلَيْهِ بُغْضًا مِنْهَا لَهُ.
عَنْ جَمِيلَةَ بِنْتِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ، أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ فَنَشَزَتْ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «يَا جَمِيلَةُ مَا كَرِهْتِ مِنْ ثَابِتٍ؟» قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا كَرِهْتُ مِنْهُ دِينًا وَلَا خُلُقًا، إِلَّا أَنِّي كَرِهْتُ دَمَامَتَهُ. فَقَالَ لَهَا: «أَتَرُدِّينَ الْحَدِيقَةَ؟» قَالَتْ: نَعَمْ فَرَدَّتِ الْحَدِيقَةَ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا""
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِهِمَا، أَعْنِي فِي شَأْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَزَوْجَتِهِ هَذِهِ.