يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ}
الشَّيْطَانَ {بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءُ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}
وَالسُّوءُ: الْإِثْمُ مِثْلُ الضُّرِّ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: سَاءَكَ هَذَا الْأَمْرُ يَسُوءُكَ سُوءًا؛ وَهُوَ مَا يَسُوءُ الْفَاعِلَ.
وَأَمَّا الْفَحْشَاءِ: فَهِيَ مَصْدَرٌ مِثْلُ السَّرَّاءِ، وَالضَّرَّاءِ، وَهِيَ كُلُّ مَا اسْتَفْحَشَ ذِكْرُهُ، وَقَبُحَ مَسْمُوعُهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ السُّوءَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ هُوَ مَعَاصِي اللَّهِ؛ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَإِنَّمَا سَمَّاهَا اللَّهُ سُوءًا؛ لِأَنَّهَا تَسُوءُ صَاحِبَهَا بِسُوءِ عَاقِبَتِهَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْفَحْشَاءَ: الزِّنَا؛ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَإِنَّمَا يُسَمَّى لِقُبْحِ مَسْمُوعِهِ وَمَكْرُوهِ مَا يُذْكَرُ بِهِ فَاعِلُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}
فَهُوَ مَا كَانُوا يُحَرِّمُونَ مِنَ الْبَحَائِرِ، وَالسَّوَائِبِ، وَالْوَصَائِلِ، وَالْحَوَامِي، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُمْ: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}
وَأَخْبَرَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ قِيلَهُمُ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا مِنَ الْكَذِبِ الَّذِي يَأْمُرُهُمْ بِهِ الشَّيْطَانُ، وَأَنَّهُ قَدْ أَحَلَّهُ لَهُمْ وَطَيَّبَهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْ أَكْلَهُ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ حَقِيقَتَهُ طَاعَةً مِنْهُمْ لِلشَّيْطَانِ، وَاتِّبَاعًا مِنْهُمْ خُطُوَاتِهِ، وَاقْتِفَاءً مِنْهُمْ آثَارَ أَسْلَافِهِمُ الضُّلَّالِ وَآبَائِهِمُ الْجُهَّالِ، الَّذِينَ كَانُوا بِاللَّهِ وَبِمَا أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ جُهَّالًا، وَعَنِ الْحَقِّ وَمِنْهَاجِهِ ضَلَالًا؛ وَإِسْرَافًا مِنْهُمْ، كَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} .