وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ، قَالَ مُوسَى: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ. إِنَّ الْبَقَرَةَ الَّتِي أَمَرْتُكُمْ بِذَبْحِهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {لَا ذَلُولٌ}
أَيْ لَمْ يُذَلِّلْهَا الْعَمَلُ. فَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهَا بَقَرَةٌ لَمْ تُذَلِّلْهَا إِثَارَةُ الْأَرْضِ بِأَظْلَافِهَا، وَلَا سُنِيَ عَلَيْهَا الْمَاءُ فَيُسْقَى عَلَيْهَا الزَّرْعُ، كَمَا يُقَالُ للدَّابَّةِ الَّتِي قَدْ ذَلَّلَهَا الرُّكُوبُ أَوِ الْعَمَلُ: دَابَّةٌ ذَلُولٌ بَيِّنَةُ الذُّلِّ، بِكَسْرِ الذَّالِ، وَيُقَالُ فِي مِثْلِهِ مِنْ بَنِي آدَمَ: رَجُلٌ ذَلِيلٌ بَيْنَ الذُّلِّ وَالذِّلَّةِ
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {تُثِيرُ الْأَرْضَ}
تُقَلِّبُ الْأَرْضَ لِلْحَرْثِ، يُقَالُ مِنْهُ: أَثَرْتُ الْأَرْضَ أُثِيرُهَا إِثَارَةً: إِذَا قَلَّبْتُهَا لِلزَّرْعِ.
وَإِنَّمَا وَصَفَهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِيمَا قِيلَ وَحْشِيَّةً
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مُسَلَّمَةٌ}
وَمَعْنَى {مُسَلَّمَةٌ}
مُفَعَّلَةٌ مِنَ السَّلَامَةِ، يُقَالُ مِنْهُ: سَلِمَتْ تَسْلَمُ فَهِيَ مُسَلَّمَةٌ
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي سَلِمَتْ مِنْهُ، فَوَصَفَهَا اللَّهُ بِالسَّلَامَةِ مِنْهُ
عَنْ مُجَاهِدٍ:" {مُسَلَّمَةٌ} "
يَقُولُ: مُسَلَّمَةٌ مِنَ الشِّيَةِ وَ {لَا شِيَةَ فِيهَا}
لَا بَيَاضَ فِيهَا وَلَا سَوَادَ""
وَقَالَ آخَرُونَ: مُسَلَّمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ
وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:"قَوْلُهُ: {مُسَلَّمَةٌ} "
لَا عَوَارَ فِيهَا""
وَالَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَمَنْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِهِمَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مِمَّا قَالَهُ مُجَاهِدٌ؛ لِأَنَّ سَلَامَتَهَا لَوْ كَانَتْ مِنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْأَلْوَانِ سِوَى لَوْنِ جِلْدِهَا، لَكَانَ فِي قَوْلِهِ: {مُسَلَّمَةٌ}
مُكْتَفًى عَنْ قَوْلِهِ: {لَا شِيَةَ فِيهَا} .
وَفِي قَوْلِهِ: {لَا شِيَةَ فِيهَا}
مَا يُوَضِّحُ عَنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {مُسَلَّمَةٌ}
غَيْرُ مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَا شِيَةَ فِيهَا} .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَمْ تُذَلِّلْهَا إِثَارَةُ الْأَرْضِ وَقَلْبِهَا لِلْحِرَاثَةِ وَلَا السُّنُوُّ عَلَيْهَا لِلْمَزَارِعِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ صَحِيحَةٌ مُسَلَّمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا شِيَةَ فِيهَا}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {لَا شِيَةَ فِيهَا}
لَا لَوْنَ فِيهَا يُخَالِفُ لَوْنَ جِلْدِهَا. وَأَصْلُهُ مِنْ وَشْيِ الثَّوْبِ، وَهُوَ تَحْسِينُ عُيُوبِهِ الَّتِي تَكُونُ فِيهِ بِضُرُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ أَلْوَانِ سَدَاهُ وَلُحْمَتِهِ، يُقَالُ مِنْهُ: وَشَيْتُ الثَّوْبَ فَأَنَا أَشِيُهُ شِيَةً وَوَشْيًا. وَمِنْهُ قِيلَ لِلسَّاعِي بِالرَّجُلِ إِلَى السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ: وَاشٍ، لِكَذِبَةٍ عَلَيْهِ عِنْدَهُ وَتَحْسِينِهِ كَذِبَهُ بِالْأَبَاطِيلِ، يُقَالُ مِنْهُ: وَشَيْتُ بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ وِشَايَةً.