فهرس الكتاب

الصفحة 1114 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ}

قَالَ لَهُمْ مُوسَى: أَتَأْخُذُونَ الَّذِي هُوَ أَخَسُّ خَطَرًا وَقِيمَةً وَقَدْرًا مِنَ الْعَيْشِ، بَدَلًا بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ خَطَرًا وَقِيمَةً وَقَدْرًا. وَذَلِكَ كَانَ اسْتِبْدَالَهُمْ.

وَأَصْلُ الِاسْتِبْدَالِ: هُوَ تَرْكُ شَيْءٍ لِآخَرَ غَيْرِهِ مَكَانَ الْمَتْرُوكِ.

وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {أَدْنَى}

أَخَسُّ وَأَوْضَعُ وَأَصْغَرُ قَدْرًا وَخَطَرًا، وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: هَذَا رَجُلٌ دَنِيٌّ بَيِّنُ الدَّنَاءَةِ، وَإِنَّهُ لَيُدْنِي فِي الْأُمُورِ بِغَيْرِ هَمْزٍ إِذَا كَانَ يَتَتَبَّعُ خَسِيسَهَا.

وَقَدْ ذُكِرَ الْهَمْزُ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ سَمَاعًا مِنْهُمْ، يَقُولُونَ: مَا كُنْتَ دَنِيًّا وَلَقَدْ دَنَأْتَ.

وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنِ اسْتَبْدَلَ بِالْمَنِّ وَالسَّلْوَى الْبَقْلَ وَالْقِثَّاءَ وَالْعَدَسَ وَالْبَصَلَ وَالثَّوْمَ، فَقَدِ اسْتَبْدَلَ الْوَضِيعَ مِنَ الْعَيْشِ بِالرَّفِيعِ مِنْهُ.

وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ: {الَّذِي هُوَ أَدْنَى}

بِمَعْنَى الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ، وَوَجَّهَ قَوْلَهُ: {أَدْنَى}

إِلَى أَنَّهُ أَفْعَلُ مِنَ الدُّنُوِّ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْقُرْبِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ}

وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ: فَدَعَا مُوسَى فَاسْتَجَبْنَا لَهُ، فَقُلْنَا لَهُمُ: اهْبِطُوا مِصْرًا.

وَهُوَ مِنَ الْمَحْذُوفِ الَّذِي اجْتُزِئَ بِدَلَالَةِ ظَاهِرِهِ عَلَى ذِكْرِ مَا حُذِفَ وَتُرِكَ مِنْهُ.

وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْهُبُوطِ إِلَى الْمَكَانِ إِنَّمَا هُوَ النُّزُولُ إِلَيْهِ وَالْحُلُولُ بِهِ.

فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَخْرُجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا}

قَالَ لَهُمْ مُوسَى: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَخَسُّ وَأَرْدَأُ مِنَ الْعَيْشِ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ؟ فَدَعَا لَهُمْ مُوسَى رَبَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مَا سَأَلُوهُ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ دُعَاءَهُ، فَأَعْطَاهُمْ مَا طَلَبُوا، وَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ: {اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} .

ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {مِصْرًا}

فَقَرَأَهُ عَامَّةُ الْقُرَّاءِ: {مِصْرًا}

بِتَنْوِينِ الْمِصْرِ وَإِجْرَائِهِ؛ وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ بِتَرْكِ التَّنْوِينِ وَحَذْفِ الْأَلْفِ مِنْهُ. فَأَمَّا الَّذِينَ نَوَّنُوهُ وَأَجْرُوهُ، فَإِنَّهُمْ عَنَوْا بِهِ مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ لَا مِصْرًا بِعَيْنِهِ، فَتَأْوِيلُهُ عَلَى قِرَاءَتِهِمُ: اهْبِطُوا مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّكُمْ فِي الْبَدْوِ، وَالَّذِي طَلَبْتُمْ لَا يَكُونُ فِي الْبَوَادِي وَالْفَيَافِي، وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ، فَإِنَّ لَكُمْ إِذَا هَبَطْتُمُوهُ مَا سَأَلْتُمْ مِنَ الْعَيْشِ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ

مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِالْإِجْرَاءِ وَالتَّنْوِينِ، كَانَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ عِنْدَهُ: اهْبِطُوا مِصْرًا الْبَلْدَةَ الَّتِي تُعْرَفُ بِهَذَا الِاسْمِ وَهِيَ مِصْرُ الَّتِي خَرَجُوا عَنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ أَجْرَاهَا وَنَوَّنَهَا اتِّبَاعًا مِنْهُ خَطَّ الْمُصْحَفِ، لِأَنَّ فِي الْمُصْحَفِ أَلِفًا ثَابِتَةً فِي مِصْرَ، فَيَكُونُ سَبِيلُ قِرَاءَتِهِ ذَلِكَ بِالْإِجْرَاءِ وَالتَّنْوِينِ سَبِيلَ مَنْ قَرَأَ: (قَوَارِيرًا قَوَارِيرًا مِنْ فِضَّةِ) مُنَوَّنَةً اتِّبَاعًا مِنْهُ خَطَّ الْمُصْحَفِ.

وَأَمَّا الَّذِي لَمْ يُنَوِّنْ مِصْرَ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّهُ عَنَى مِصْرَ الَّتِي تُعْرَفُ بِهَذَا الِاسْمِ بِعَيْنِهَا دُونَ سَائِرِ الْبُلْدَانِ غَيْرِهَا.

وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ نَظِيرَ اخْتِلَافِ الْقُرَّاءِ فِي قِرَاءَتِهِ

فَعَنْ قَتَادَةَ:" {اهْبِطُوا مِصْرًا} "

أَيْ مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ {فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} ""

وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ مِصْرُ الَّتِي كَانَ فِيهَا فِرْعَوْنُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت