فهرس الكتاب

الصفحة 2981 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) }

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا لَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ النِّدَّ الْعِدْلُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّوَاهِدِ، وَأَنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا هَذِهِ الْأَنْدَادَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يُحِبُّونَ أَنْدَادَهُمْ كَحُبِّ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهَ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ مِنْ مُتَّخِذِي هَذِهِ الْأَنْدَادَ لِأَنْدَادِهِمْ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْأَنْدَادِ الَّتِي كَانَ الْقَوْمُ اتَّخَذُوهَا وَمَا هِيَ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ آلِهَتُهُمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْأَنْدَادُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِنَّمَا هُمْ سَادَتُهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ كَحُبِّ اللَّهِ، وَهَلْ يُحِبُّ اللَّهَ الْأَنْدَادُ؟ وَهَلْ كَانَ مُتَّخِذُو الْأَنْدَادِ يُحِبُّونَ اللَّهَ فَيُقَالُ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ؟

قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا نَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ: بِعْتُ غُلَامِي كَبَيْعِ غُلَامِكَ، بِمَعْنَى: بِعْتُهُ كَمَا بِيَعَ غُلَامُكَ وَكَبَيْعِكَ غُلَامَكَ، وَاسْتَوْفَيْتُ حَقِّي مِنْهُ اسْتِيفَاءَ حَقِّكَ، بِمَعْنَى: اسْتِيفَائِكَ حَقَّكَ. فَتُحْذَفُ مِنَ الثَّانِي كِنَايَةُ اسْمِ الْمُخَاطَبِ اكْتِفَاءً بِكِنَايَتِهِ فِي «الْغُلَامِ» وَ «الْحَقِّ» ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

[البحر الوافر]

فَلَسْتُ مُسَلِّمًا مَا دُمْتُ حَيًّا ... عَلَى زَيْدٍ بِتَسْلِيمِ الْأَمِيرِ

يَعْنِي بِذَلِكَ: كَمَا يُسَلَّمُ عَلَى الْأَمِيرِ. فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت