الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ}
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَأْتُوا نِسَاءَكُمْ إِذَا تَطَهَّرْنَ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي نَهَيْتُكُمْ عَنْ إِتْيَانِهِنَّ مِنْهُ فِي حَالِ حَيْضِهِنَّ، وَذَلِكَ الْفَرْجُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِتَرْكِ جِمَاعِهِنَّ فِيهِ فِي حَالِ الْحَيْضِ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ:" {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} "
يَقُولُ: فِي الْفَرْجِ لَا تَعْدُوهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدِ اعْتَدَى""
وعَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ:" {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} "
مِنْ حَيْثُ نَهَيْتُهُمْ عَنْهُ، وَاتَّقُوا الْأَدْبَارَ""
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: فَأْتُوهُنَّ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَكُمُ اللَّهُ فِيهِ أَنْ تَأْتُوهُنَّ مِنْهُ، وَذَلِكَ الْوَجْهُ هُوَ الطُّهْرُ دُونَ الْحَيْضِ. فَكَانَ مَعْنَى قَائِلِ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ: فَأْتُوهُنَّ مِنْ قِبَلِ طُهْرِهِنَّ لَا مِنُ قِبَلِ حَيْضِهِنَّ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} "
يَعْنِي أَنْ يَأْتِيَهَا طَاهِرًا غَيْرَ حَائِضٍ""
وَقَالَ آخَرُونَ: بَل مَعْنَى ذَلِكَ: فَأْتُوا النِّسَاءَ مِنْ قِبَلِ النِّكَاحِ لَا مِنْ قِبَلِ الْفُجُورِ
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَأْتُوهُنَّ مِنْ قِبَلِ طُهْرِهِنَّ؛ وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ بِمَعْنًى فَنُهِيَ عَنْ خِلَافِهِ وَضِدِّهِ، وَكَذَلِكَ النَّهْي عَنِ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ وَخِلَافِهِ. فَلَوْ كَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ}
فَأْتُوهُنَّ مِنْ قِبَلِ مَخْرَجِ الدَّمِ الَّذِي نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَأْتُوهُنَّ مِنْ قِبَلِهِ فِي حَالِ حَيْضِهِنَّ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}
تَأْوِيلَهُ: وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ فِي مَخْرَجِ الدَّمِ دُونَ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ أَمَاكِنِ جَسَدِهَا، فَيَكُونُ مُطْلَقًا فِي حَالِ حَيْضِهَا إِتْيَانُهُنَّ فِي أَدْبَارِهِنَّ. وَفِي إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يُطَلِّقْ فِي حَالِ الْحَيْضِ مِنْ إِتْيَانِهِنَّ فِي أَدْبَارِهِنَّ شَيْئًا حَرَّمَهُ فِي حَالِ الطُّهْرِ وَلَا حَرَّمَ مِنْ ذَلِكَ فِي حَالِ الطُّهْرِ شَيْئًا أَحَلَّهُ فِي حَالِ الْحَيْضِ، مَا يُعْلَمُ بِهِ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ. وَبَعْدُ: فَلَوْ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، حَتَّى يَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ أَمْرًا بِإِتْيَانِهِنَّ فِي فُرُوجِهِنَّ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمَعْرُوفَ إِذَا أُرِيدَ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: أَتَى فُلَانٌ زَوْجَتَهُ مِنْ قِبَلِ فَرْجِهَا، وَلَا يُقَالُ: أَتَاهَا مِنْ فَرْجِهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَتَاهَا مِنْ قِبَلِ فَرْجِهَا فِي مَكَانٍ غَيْرِ الْفَرْجِ.