فهرس الكتاب

الصفحة 3018 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَذَلِكَ يُرِيَهُمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ}

وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {كَذَلِكَ يُرِيَهُمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ}

يَقُولُ: كَمَا أَرَاهُمُ الْعَذَابَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ: {وَرَأَوُا الْعَذَابَ}

الَّذِي كَانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا، فَكَذَلِكَ يُرِيَهُمْ أَيْضًا أَعْمَالَهُمُ الْخَبِيثَةَ الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِهَا الْعُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ {حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ}

يَعْنِي نَدَامَاتٍ. وَالْحَسَرَاتُ جَمْعُ حَسْرَةٍ، وَكَذَلِكَ كُلُّ اسْمٍ كَانَ وَاحِدُهُ عَلَى «فَعْلَةٍ» مَفْتُوحُ الْأَوَّلِ سَاكِنُ الثَّانِي، فَإِنَّ جَمْعَهُ عَلَى «فَعَلَاتٍ» ، مِثْلَ شَهْوَةٍ وَتَمْرَةٍ تُجْمَعُ شَهَوَاتٍ وَتَمَرَاتٍ، مُثَقَّلَةُ الثَّوَانِي مِنْ حُرُوفِهَا. فَأَمَّا إِذَا كَانَ نَعْتًا فَإِنَّكَ تَدَعُ ثَانِيَةً سَاكِنًا مِثْلَ ضَخْمَةً تَجْمَعُهَا ضَخَمَاتٍ، وَعَبْلَةُ تَجْمَعُهَا عَبْلَاتٌ، وَرُبَّمَا سُكِّنَ الثَّانِي فِي الْأَسْمَاءِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

[البحر الرجز]

عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ ... أَوْ دُولَاتِهَا يُدِلْنَنَا اللَّمَّةَ مِنْ لَمَّاتِهَا

فَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفْرَاتِهَا

فَسَكَّنَ الثَّانِيَ مِنَ «الزَّفَرَاتِ» وَهِيَ اسْمٌ

وَقِيلَ إِنَّ الْحَسْرَةَ أَشَدُّ النَّدَامَةِ.

فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَكَيْفَ يَرَوْنَ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا يَتَنَدَّمُ الْمُتَنَدِّمُ عَلَى تَرْكِ الْخَيْرَاتِ وَفَوْتِهَا إِيَّاهُ؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْكُفَّارَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا يَتَنَدَّمُونَ عَلَى تَرْكِهِمُ الِازْدِيَادِ مِنْهُ، فَيُرِيهِمُ اللَّهُ قَلِيلَهُ، بَلْ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ كُلَّهَا مَعَاصِيَ لِلَّهِ، وَلَا حَسْرَةَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْحَسْرَةُ فِيمَا لَمْ يَعْمَلُوا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ؟

قِيلَ: إِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ، فَنَذْكُرُ فِي ذَلِكَ مَا قَالُوا، ثُمَّ نُخْبِرُ بِالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: كَذَلِكَ يُرِيَهُمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمُ الَّتِي فَرَضَهَا عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا فَضَيَّعُوهَا وَلَمْ يَعْمَلُوا بِهَا حَتَّى اسْتَوْجَبَ مَا كَانَ اللَّهُ أَعَدَّ لَهُمْ لَوْ كَانُوا عَمِلُوا بِهَا فِي حَيَاتِهِمْ مِنَ الْمَسَاكِنِ وَالنِّعَمِ غَيْرِهِمْ بِطَاعَتِهِ رَبَّهُ فَصَارَ مَا فَاتَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ الَّذِي كَانَ اللَّهُ أَعَدَّهُ لَهُمْ عِنْدَهُ لَوْ كَانُوا أَطَاعُوهُ فِي الدُّنْيَا إِذْ عَايَنُوهُ عِنْدَ دُخُولِ النَّارِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ أَسًى وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً عَلَيْهِمْ.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، فِي قِصَّةٍ ذَكَرَهَا فَقَالَ"فَلَيْسَ نَفْسٌ إِلَّا وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى بَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ، وَبَيْتٍ فِي النَّارِ، وَهُوَ يَوْمُ الْحَسْرَةِ. قَالَ: فَيُرَى أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَوْ عَمِلْتُمْ فَتَأْخُذَهُمُ الْحَسْرَةُ. قَالَ: فَيَرَى أَهْلُ الْجَنَّةِ الْبَيْتَ الَّذِي فِي النَّارِ، فَيُقَالُ: لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ"

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ يَكُونُ مُضَافًا إِلَيْهِمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَمْ يَعْمَلُوهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ؟

قِيلَ: كَمَا يُعْرَضُ عَلَى الرَّجُلِ الْعَمَلِ فَيُقَالُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلُهُ: هَذَا عَمَلُكَ، يَعْنِي هَذَا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَعْمَلَهُ، كَمَا يُقَالَ لِلرَّجُلِ يَحْضُرُ غَدَاؤُهُ قَبْلَ أَنْ يَتَغَدَّى بِهِ: هَذَا غَدَاؤُكَ الْيَوْمَ، يَعْنِي بِهِ: هَذَا مَا تَتَغَدَّى بِهِ الْيَوْمَ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {كَذَلِكَ يُرِيَهُمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ}

يَعْنِي: كَذَلِكَ يُرِيَهُمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمُ الَّتِي كَانَ لَازِمًا لَهُمُ الْعَمَلَ بِهَا فِي الدُّنْيَا حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ.

وَقَالَ آخَرُونَ: كَذَلِكَ يُرِيَهُمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمُ السَّيِّئَةَ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ: لِمَ عَمِلُوهَا، وَهَلَّا عَمِلُوا بِغَيْرِهَا مِمَّا يَرْضَى اللَّهُ تَعَالَى.

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ}

كَذَلِكَ يُرِي اللَّهُ الْكَافِرِينَ أَعْمَالَهُمُ الْخَبِيثَةَ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ لِمَ عَمِلُوا بِهَا، وَهَلَّا عَمِلُوا بِغَيْرِهَا فَنَدِمُوا عَلَى مَا فَرَّطَ مِنْهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الرَّدِيئَةِ إِذْ رَأَوْا جَزَاءَهَا مِنَ اللَّهِ وَعِقَابَهَا؟ لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُرِيهِمْ أَعْمَالَهُمْ نَدَمًا عَلَيْهِمْ. فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ دُونَ مَا احْتَمَلَهُ الْبَاطِنُ الَّذِي لَا دَلَالَةَ عَلَى أَنَّهُ الْمَعْنِيُّ بِهَا. وَالَّذِي قَالَ السُّدِّيُّ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ، فَإِنَّهُ مَنْزَعٌ بَعِيدٌ، وَلَا أَثَرَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَ تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ فَيُسَلَّمُ لَهَا، وَلَا دَلَالَةَ فِي ظَاهِرِ الْآيَةِ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِهَا. فَإِذْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يُحَلْ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ إِلَى بَاطِنِ تَأْوِيلٍ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ}

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَمَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْتُهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَإِنْ نَدَمُوا بَعْدَ مُعَايَنَتِهِمْ مَا عَايَنُوا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، فَاشْتَدَّتْ نَدَامَتُهُمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةَ، وَتَمَنَّوَا إِلَى الدُّنْيَا كَرَّةً لِيُنِيبُوا فِيهَا، وَيَتَبَرَّءُوا مِنْ مُضِلِّيهِمْ وَسَادَتِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا يُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فِيهَا بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ الَّتِي أَصْلَاهُمُوهَا اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَلَا نَدَمُهُمْ فِيهَا بِمُنْجِيهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ حِينَئِذٍ، وَلَكِنَّهُمْ فِيهَا مُخَلَّدُونَ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الدَّلَالَةُ عَلَى تَكْذِيبِ اللَّهِ الزَّاعِمِينَ أَنَّ عَذَابَ اللَّهَ أَهْلَ النَّارِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ مُنْقَضٍ، وَأَنَّهُ إِلَى نِهَايةٍ، ثُمَّ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ فَانٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، ثُمَّ خَتَمَ الْخَبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ غَيْرُ خَارِجِينَ مِنَ النَّارِ بِغَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ مِنْهُ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ، فَذَلِكَ إِلَى غَيْرِ حَدٍّ وَلَا نِهَايةٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت