فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَمَا أَنْتَ قَائِلٌ فِيمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، [أَنَّ] عَائِشَةَ، قَالَتْ: «مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُفَسِّرُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، إِلَّا آيًا تُعَدُّ، عَلَّمَهُنَّ إِيَّاهُ جِبْرِيلُ»
[عَنْ] عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: «لَقَدْ أَدْرَكَتُ فُقَهَاءَ الْمَدِينَةِ، وَإِنَّهُمْ لَيُعَظَّمُونَ الْقَوْلَ فِي التَّفْسِيرِ، مِنْهُمْ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَنَافِعٌ»
عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا، يَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ آيَةٍ، مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: «لَا أَقُولُ فِي الْقُرْآنِ شَيْئًا»
عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَأَلْتُ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيَّ عَنْ آيَةٍ، قَالَ: «عَلَيْكَ بِالسَّدَادِ فَقَدْ ذَهَبَ الَّذِينَ عَلِمُوا فِيمَ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ»
عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ: «سُئِلَ عَنْ آيَةٍ لَوْ سُئِلَ عَنْهَا بَعْضُكُمْ لَقَالَ فِيهَا، فَأَبَى أَنْ يَقُولَ فِيهَا»
[عن] يَزِيد بْن أَبِي يَزِيدَ، قَالَ: «كُنَّا نَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَكَانَ، أَعْلَمَ النَّاسِ، وَإِذَا سَأَلْنَاهُ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، سَكَتَ كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْ»
عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: «لَا تَسْأَلْنِي عَنْ آيَةٍ، مِنَ الْقُرْآنِ، وَسَلْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ» يَعْنِي عِكْرِمَةَ
قَالَ الشَّعْبِيُّ: «وَاللَّهِ مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا قَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا، وَلَكِنَّهَا الرِّوَايَةُ عَنِ اللَّهِ»
عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ:"ثَلَاثٌ لَا أَقُولُ فِيهِنَّ حَتَّى أَمُوتَ: الْقُرْآنُ، وَالرُّوحُ، وَالرَّأْيُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ"
قِيلَ لَهُ: أَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُفَسِّرُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا إِلَّا آيًا تُعَدُّ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُصَحِّحٌ مَا قُلْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي الْبَابِ الْمَاضِي قَبْلُ، وَهُوَ أَنَّ مِنَ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، مَا لَا يُدْرَكُ عِلْمُهُ إِلَّا بِبَيَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ يُفَصِّلُ جُمَلَ مَا فِي آيِهِ، مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، وَحُدُودِهِ وَفَرَائِضِهِ، وَسَائِرِ مَعَانِي شَرَائِعِ دِينِهِ، الَّذِي هُوَ مُجْمَلٌ فِي ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ، وَبِالْعِبَادِ إِلَى تَفْسِيرِهِ الْحَاجَةُ، لَا يُدْرَكُ عِلْمُ تَأْوِيلِهِ إِلَّا بِبَيَانٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا تَحْوِيهِ أَيُ الْقُرْآنِ، مِنْ سَائِرِ حُكْمِهِ، الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ بَيَانَهُ لِخَلْقِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَأْوِيلَ ذَلِكَ، إِلَّا بِبَيَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا يَعْلَمُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ إِيَّاهُ ذَلِكَ، بِوَحْيِهِ إِلَيْهِ، إِمَّا مَعَ جِبْرِيلَ، أَوْ مَعَ مَنْ شَاءَ مِنْ رُسُلِهِ إِلَيْهِ. فَذَلِكَ هُوَ الْآيُ، الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُفَسِّرُهَا لِأَصْحَابِهِ، بِتَعْلِيمِ جِبْرِيلَ إِيَّاهُ، وَهُنَّ لَا شَكَّ أَيٌ ذَوَاتُ عَدَدٍ. وَمِنْ أَيِ الْقُرْآنِ، مَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ تَأْوِيلِهِ، فَلَمْ يُطْلِعْ عَلَى عَلِمِهِ مَلَكًا مُقَرَّبًا، وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا، وَلَكِنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. فَأَمَّا مَا لَا بُدَّ لِلْعِبَادِ مِنْ عِلْمِ تَأْوِيلِهِ، فَقَدْ بَيَّنَ لَهُمْ نَبِيَّهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِبَيَانِ اللَّهِ ذَلِكَ لَهُ بِوَحْيِهِ مَعَ جِبْرِيلَ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِبَيَانِهِ لَهُمْ، فَقَالَ لَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] .
وَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُفَسِّرُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا إِلَّا آيًا تُعَدُّ هُوَ مَا يَسَبِقُ إِلَيْهِ أَوْهَامُ أَهْلِ الْغَبَاءِ، مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُفَسِّرُ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْ آيِهِ، وَالْيَسِيرَ مِنْ حُرُوفِهِ، كَانَ إِنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذِّكْرُ، لِيَتْرُكَ لِلنَّاسِ بَيَانَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ، لَا لِيُبَيِّنَ لَهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ. وَفِي أَمْرِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِبَلَاغِ مَا أَنْزَلَ إِلَيْهِ، وَإِعْلَامِهِ إِيَّاهُ، أَنَّهُ إِنَّمَا نَزَّلَ إِلَيْهِ مَا أَنْزَلَ، لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، وَقِيَامِ الْحِجَّةِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ بَلَّغَ فَأَدَّى، مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِبَلَاغِهِ وَأَدَائِهِ، عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ، وَصِحَّةُ الْخَبَرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لِقِيلِهِ: «كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إِذَا تَعَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ، لَمْ يُجَاوِزْهُنَّ حَتَّى يَعْلَمَ مَعَانِيَهُنَّ وَالْعَمَلَ بِهِنَّ» مَا يُنْبِئُ عَنْ جَهْلِ مَنْ ظَنَّ أَوْ تَوَهَّمَ، أَنَّ مَعْنَى الْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَا، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ لَمْ يُفَسِّرْ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا إِلَّا آيًا تُعَدُّ، هُوَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُبَيِّنُ لِأُمَّتِهِ مِنْ تَأْوِيلِهِ إِلَّا الْيَسِيرَ الْقَلِيلَ مِنْهُ. هَذَا مَعَ مَا فِي الْخَبَرِ، الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، مِنَ الْعِلَّةِ الَّتِي فِي إِسْنَادِهِ، الَّتِي لَا يَجُوزُ مَعَهَا الِاحْتِجَاجُ بِهِ لِأَحَدٍ مِمَّنْ عَلِمَ صَحِيحَ سَنَدِ الْآثَارِ وَفَاسِدَهَا فِي الدِّينِ، لِأَنَّ رَاوِيَهُ مِمَّنْ لَا يُعْرَفُ فِي أَهْلِ الْآثَارِ، وَهُوَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّبَيْرِيُّ. وَأَمَّا الْأَخْبَارُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَمَّنْ ذَكَرْنَاهَا عَنْهُ مِنَ التَّابِعِينَ، بِإِحْجَامِهِ عَنِ التَّأْوِيلِ، فَإِنَّ فِعْلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، كَفِعْلِ مَنْ أَحْجَمَ مِنْهُمْ عَنِ الْفُتْيَا فِي النَّوَازِلِ وَالْحَوَادِثِ، مَعَ إِقْرَارِهِ بِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، لَمْ يَقْبِضْ نَبِيَّهُ إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ إِكْمَالِ الدِّينِ بِهِ لِعِبَادِهِ، وَعِلْمِهِ بِأَنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ نَازِلَةٍ وَحَادِثَةٍ، حُكْمًا مَوْجُودًا، بِنَصٍّ أَوْ دَلَالَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ إِحْجَامُهُ عَنِ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ، إِحْجَامَ جَاحِدٍ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ فِيهِ حُكْمٌ مَوْجُودٌ بَيْنَ أَظْهُرِ عِبَادِهِ، وَلَكِنْ إِحْجَامَ خَائِفٍ، أَنْ لَا يَبْلُغَ فِي اجْتِهَادِهِ، مَا كَلَّفَ اللَّهُ الْعُلَمَاءَ مِنْ عِبَادِهِ فِيهِ، فَكَذَلِكَ مَعْنَى إِحْجَامِ مَنْ أَحْجَمَ عَنِ الْقِيلِ فِي تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، وَتْفِسِيرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ السَّلَفِ، إِنَّمَا كَانَ إِحْجَامُهُ عَنْهُ حَذَارَ أَنْ لَا يَبْلُغَ أَدَاءَ مَا كُلِّفَ مِنْ إِصَابَةِ صَوَابِ الْقَوْلِ فِيهِ، لَا عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ مَحْجُوبٌ عَنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ غَيْرُ مَوْجُودٍ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ.