يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ}
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَوَلَدَهُمْ. يَقُولُ لِلْيَهُودُ وَالنَّصَارَى: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى دَعُوا ذِكْرَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ بِغَيْرِ مَا هُمْ أَهْلُهُ وَلَا تَنْحِلُوهُمْ كُفْرَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ فَتُضِيفُوهَا إِلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ أُمَّةٌ وَيَعْنِي بِالْأَمَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْجَمَاعَةَ، وَالْقَرْنَ مِنَ النَّاسِ قَدْ خَلَتْ: مَضَتْ لِسَبِيلِهَا.
وَإِنَّمَا قِيلَ لِلَّذِي قَدْ مَاتَ فَذَهَبَ: قَدْ خَلَا، لِتَخَلِّيهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَانْفِرَادِهِ بِمَا كَانَ مِنَ الْأُنْسِ بِأَهْلِهِ وَقُرَنَائِهِ فِي دُنْيَاهُ، وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: خَلَا الرَّجُلُ، إِذَا صَارَ بِالْمَكَانِ الَّذِي لَا أُنَيْسَ لَهُ فِيهِ وَانْفَرَدَ مِنَ النَّاسِ، فَاسْتَعْمَلَ ذَلِكَ فِي الَّذِي يَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: إِنَّ لِمَنْ نَحَلْتُمُوهُ بِضَلَالِكُمْ وَكُفْرِكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَنْبِيَائِي وَرُسُلِي مَا كَسَبَتْ.
وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ: {لَهَا}
عَائِدَةٌ إِنْ شِئْتَ عَلَى تِلْكَ، وَإِنْ شِئْتَ عَلَى الْأُمَّةِ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {لَهَا مَا كَسَبَتْ}
أَيْ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ، وَلَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِثْلُ ذَلِكَ مَا عَمِلْتُمْ. وَلَا تُؤَاخَذُونَ أَنْتُمْ أَيُّهَا النَّاحِلُونَ مَا نَحَلْتُمُوهُمْ مِنَ الْمِلَلِ، فَسَأَلُوا عَمَّا كَانَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَوَلَدُهُمْ يَعْمَلُونَ فَيَكْسِبُونَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ، وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ. فَدَعُوا انْتِحَالَهُمْ وَانْتِحَالَ مِلَلِهِمْ، فَإِنَّ الدَّعَاوَى غَيْرُ مُغْنِيَتِكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنَّمَا يُغْنِي عَنْكُمْ عِنْدَهُ مَا سَلَفَ لَكُمْ مِنْ صَالِحِ أَعْمَالِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ عَمِلْتُمُوهَا وَقَدَّمْتُمُوهَا.