فهرس الكتاب

الصفحة 5012 من 6201

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ هُوَ أَذًى}

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: قُلْ لِمَنْ سَأَلَكَ مِنْ أَصْحَابِكَ يَا مُحَمَّدُ عَنِ الْمَحِيضِ هُوَ أَذًى.

وَالْأَذَى: هُوَ مَا يُوذِي بِهِ مِنْ مَكْرُوهٍ فِيهِ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يُسَمَّى أَذًى لِنَتَنِ رِيحِهِ، وَقَذَرِهِ، وَنَجَاسَتِهِ، وَهُوَ جَامِعٌ لِمَعَانٍ شَتَّى مِنْ خِلَالِ الْأَذَى غَيْرَ وَاحِدَةٍ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ ذَلِكَ عَلَى تَقَارَبَ مَعَانِي بَعْضِ مَا قَالُوا فِيهِ مِنْ بَعْضٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلِهِ: {قُلْ هُوَ أَذًى}

قُلْ هُوَ قَذَرٌ

وَقَالَ آخَرُونَ: قُلْ هُوَ دَمٌ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}

فَاعْتَزِلُوا جِمَاعَ النِّسَاءِ، وَنِكَاحَهُنَّ فِي مَحِيضِهِنَّ

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الَّذِي يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ اعْتِزَالُهُ مِنَ الْحَائِضِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْوَاجِبُ عَلَى الرَّجُلِ اعْتِزَالُ جَمِيعِ بَدَنِهَا أَنْ يُبَاشِرَهُ بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِاعْتِزَالِهِ مِنْهُنَّ مَوْضِعَ الْأَذَى، وَذَلِكَ مَوْضِعُ مَخْرَجِ الدَّمِ

عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ:"مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا؟ قَالَتْ: كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْجِمَاعَ"

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «إِذَا جَعَلَتِ الْحَائِضُ عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا أَوْ مَا يَكُفُّ الْأَذَى، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاشِرَ جِلْدَهَا زَوْجُهَا»

[وعن] عِكْرِمَة، يَقُولُ: «كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْحَائِضِ لَكَ حَلَالٌ غَيْرَ مَجْرَى الدَّمِ»

وَعِلَّةُ قَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، قِيَامُ الْحِجَّةِ بِالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ «كَانَ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ وَهُنَّ حِيَضٌ» ، وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ اعْتِزَالَ جَمِيعِهِنَّ لَمَا فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا صَحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلِمَ أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}

هُوَ اعْتِزَالُ بَعْضِ جَسَدِهَا دُونَ بَعْضٍ.

وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ هُوَ الْجِمَاعُ الْمُجْمَعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ عَلَى الزَّوْجِ فِي قُبُلِهَا دُونَ مَا كَانَ فِيهِ اخْتِلَافٌ مِنْ جِمَاعِهَا فِي سَائِرِ بَدَنِهَا.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِاعْتِزَالِهِ مِنْهُنَّ فِي حَالِ حَيْضِهِنَّ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ، وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ وَدُونَهُ مِنْهَا

سُئِلَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ:"مَا لِلرَّجُلِ مِنَ الْحَائِضِ؟ قَالَ: مَا فَوْقَ الْإِزَارِ"

وَعِلَّةُ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ صِحَّةُ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا أَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَأْتَزِرَ ثُمَّ يُبَاشِرُهَا»

وَنَظَائِرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَطُولُ بِاسْتِيعَابِ ذِكْرِ جَمِيعَهَا الْكِتَابُ، قَالُوا: فَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ فَجَائِزٌ، وَهُوَ مُبَاشَرَةُ الْحَائِضِ مَا دُونَ الْإِزَارِ وَفَوْقَهُ، وَذَلِكَ دُونَ الرُّكْبَةِ وَفَوْقَ السُّرَّةِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ جَسَدِ الْحَائِضِ فَوَاجِبٌ اعْتِزَالُهُ لِعُمُومِ الْآيَةِ.

وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ لِلرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ مَا فَوْقَ الْمُؤْتَزَرِ وَدُونَهُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَّةِ لَهُمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت